الأطفال التوحديون في شمال سوريا.. خوف دائم ومراكز تغلق

من مركز إدلب لذوي الإحتياجات الخاصة | سوريتنا


أماني العلي

كما تواجه المراكز المتخصصة خطر الإغلاق بشكل متكرر نتيجة القصف، كما حصل مؤخراً مع مركز سلقين، الذي تعرَّض بناء قريب منه للقصف، ما دفع القائمين عليه إلى إغلاقه، خوفاً من استهدافه بشكل مباشر مره أخرى، إضافة إلى تحديات تأهيل كوادر هذه المراكز وتدريبهم على التعامل مع الأطفال المصابين بأطياف التوحد.

ولا تتوفر مراكز مختصة وكافية لرعاية الأطفال التوحديين، سوى بعض المراكز التي كانت موجودة سابقاً كمركز مدينة إدلب الذي أنشئ في المدينة في العام 2004، ومركز آخر في مدينة معرة النعمان بريف إدلب، ومركز يتبع لجمعية في قرية كفرتخاريم تهتم بالأطفال بشكل عام وفيه مساحة للأطفال التوحديون، إضافة إلى تواجد بضعة أطفال في أكثر من مركز وروضة في مناطق ريف إدلب.

لأنهم مميزون

«إيماناً منا بأنهم مميزون ويستحقون كل العناية والاهتمام، اسم مركزنا مميزون». يقول محمد الراغب المسؤول عن مركز مميزون في مدينة معرة النعمان، والذي تم افتتاحه في كانون الأول من العام 2015، ويعمل على تأمين ورشات تعليمية وأطباء مختصين للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من ضمنهم سبعة أطفال يعانون من التوحد، و25 حالة ممن لديهم متلازمة داون، وحالات أخرى لأطفال يعانون من فقدان البصر أو يعانون من العزلة ورهاب الأماكن المزدحمة.

رغم أن المركز هو الأكبر في المنطقة، إلا أنه يعاني من نقص الكوادر المؤهلة الكافية، فالمركز لا يستطيع استقبال أكثر من 25 طفلاً لعدم وجود مدربين ومدربات مختصين. يقول الراغب: «نحتاج إلى مكان لتدريب الشبان على التعامل مع الأطفال، والتميز بين حالات الاكتئاب والعزلة والتوحد، وقد تم تشخيص كثير من الأطفال بشكل أولي أنهم مصابون بالتوحد، لكن بعد عرضهم على طبيب أعصاب مختص وطبيب نفسي لأكثر من جلسة، اكتشفنا أنهم يعانون حالات مختلفة، كالاكتئاب ورهاب الازدحام، ورهاب الأصوات العالية».

تعتبر هند، وهي تعمل في المركز منذ سنة، أن المركز ليس مركزاً صحياً للعلاج بقدر ما هو مكانٌ للترفيه وتعليم الطفل على التواصل مع من حوله، وتضيف «لدينا كتب خاصة للتسلية والتعرف على الألوان والأشكال والأحجام، كما نحاول مساعدتهم على اعتياد التواصل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين والتكلم معهم، لكننا نحتاج للتدريب والتأهيل المستمر حتى نكون مفيدين بشكل كامل لهم».

مساحة خاصة

«بذلنا ما بوسعنا، وخصصنا لهم غرفة ومدربة خاصة لهم، إلا أن وضع الأطفال لا يتحسن». تقول مريم محمد، مديرة جمعية الأطفال في كفرتخاريم، حيث استقبلت كلاً من سامر وخالد، الطفلين اللذين تم تشخيص إصابتهما بالتوحد، خاصة أن أهلهم لا يستطيعون إرسالهما إلى أبعد من البلدة. وأكدت مديرة الجمعية لــ سوريتنا أنها «أكدت للأهل أن المركز ليس لديه أية خبرة في التعامل مع حالات التوحد، كما أن الطفلين يعانيان من حالات يصعب أحياناً التعامل معها».

ونصحت مديرة الجمعية الأهل بنقل أطفالهم إلى مركز سلقين، لكن الأهل أوضحوا أنهم لا يستطيعون ذلك، لخطورة الطرق وتكاليف النقل، وتقول مريم «أحاول توفير ظروف الراحة والأمان لسامر وخالد في مساحتهم الخاصة في روضة الجمعية قدر استطاعتنا».

جمعية إدلب لذوي الاحتياجات الخاصة

افتتح “مركز إدلب لذوي الاحتياجات الخاصة” عام 2004 بدعم أهلي من سكان مدينة إدلب، وهو مستمر حتى اليوم رغم صعوبات كثيرة تواجهه. المركز يعنى بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام، ويستقبل 12 طفلاً توحدياً، تتراوح أعمارهم بين العامين وحتى الرابعة عشر.

تقول فريال الخطيب، مديرة الجمعية «قبل قبول الطفل يتم عرضه على طبيب مختص بأمراض الأعصاب، والمدرسات في الجمعية يمتلكن خبرة لأكثر من 7 سنوات في التعامل مع جميع الحالات، ومن ضمنها التوحد، وتلقين في العام 2012 عبر منظمة الهلال الأحمر السوري لدورة تدريبية مكثفة، ليكن قادرات على التعامل مع أطفال الجمعية».

كانت الجمعية سابقاً تتلقى أجوراً رمزية من الأهالي، إلا أن خروج مدينة إدلب عن سيطرة النظام في العام 2015، دفع بالجمعية لإلغاء الاشتراك، والاكتفاء بمبلغ رمزي لتكاليف النقل والباص.

أحمد بيدو وضع طفلته في الجمعية منذ ثلاثة شهور، بعد أن كانت في روضة أطفال عمومية. يقول: «كان يسبب الضجيج لها البكاء دائماً، ترفض التعلم وترفض الجلوس مع الأطفال، والآن بدأت بالتحسن، بدأت تحب مدرستها وتحب المكان وتعرف الألوان وبعض من الأشكال، وبدأت تستقر بشكل أفضل من قبل».

مراكز التوحد في مناطق النظام: تعديل للسلوك وتعليم الألوان

في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، يوجد ست مراكز بشكل رسمي، اثنان في مدينة دمشق، ومراكز في كل من اللاذقية وجبلة والقرداحة، وطرطوس، جميعهم يقدمون خدمات الرعاية للطفل التوحدي مقابل مبالغ مالية تبدأ من 50 ألف ليرة سورية سنوياً حتى 350 ألفاً، في فترة دوام صباحية.

في لقاء مع شوقي غانم، المدير الفني لجمعية التوحد في اللاذقية، نقله موقع “صافيتا” قال: «المركز هو علاج تربوي تأهيلي تربوي تعليمي لأطفال التوحد، فنحن عبارة عن مدرسة نهارية، تحوي 12 معلمة و27 طفلاً من مختلف الأعمار، ولدينا فرع ثانٍ في جبلة»، ويضيف في سؤاله عن عدد أطفال التوحد في سوريا: «لا يمكن تحديد العدد فمثل هذه الظروف، وحتى الأطفال المسجلين في المدرسة غير مستمرين للعديد من الظروف التي لا يمكن لنا معرفتها.

كما يوضح الغانم أن المركز لا يستطيع مراقبة ومتابعة علاج الطفل توحدي، فهو يقدِّم البرامج التدريبية على الألوان والأشكال، ويساعد على النطق، إضافة إلى تعديل السلوك وتعليم الرسم والكمبيوتر والموسيقا.

دمج مع المدارس العامة

كما أقرت شهيدة سلوم، رئيسة مجلس إدارة جمعية التوحد في اللاذقية، زيادة عدد التوحدين في المدارس العامة، بعد أن كان مسموحاً لطفلين في كل مدرسة، أصبح القرار يسمح بدمج خمسة أطفال توحديين في المدارس العادية، بعد حضورها الملتقى العلمي الأول لمراكز التوحد في العالم العربي الذي أقيم في السعودية ونظمته الجمعية الفيصلية الخيرية النسوية، وضمن فعاليات الملتقى. قدمت السلوم “رسالة أطفال التوحد في سوريا إلى العالم العربي” أكدت فيها أن دمج التوحديين في المدرسة «ليس هدفاً للتعليم، وإنما وسيلة لمساعدتهم على الاندماج في حياة مجتمعهم على نحو أفضل لدى بلوغهم سن الرشد».

تقول أم صالح، المقيمة في مدينة اللاذقية لـ سوريتنا «أنا لا أثق بوضع ابني في صف يحوي أكثر من 45 طفلاً مختلفي الطباع والتصرفات، إضافة إلى أن المعلمة لا تستطيع أن تهتم به بشكل خاص، ولا تستطيع أن تسيطر على ردة فعله التي قد تكون عنيفة في بعض الأحيان».

وروت أم صالح عن طفل إحدى صديقاتها الذي يعاني من التوحد وكان يواظب في مدرسة حكومية أنه المعلمة تعنفه باستمرار، بحجة أنه لا يحسن التصرف مع أصدقائه، كما أنها أشارت إلى الأهل بأنها غير مسؤولة عن ولدهم داخل الصف.

 “التوحد للأغنياء! أطفال المخيمات يعانون الجوع”

في مخيمات صغيرة ونائية كمخيم الجزيرة الواقع شرقي سرمدا بريف إدلب، ومخيم كفتين قرب قرية كفتين، ومخيم الإسمنت بالقرب من باتبو، وغيرها، تعاني جميعها من قلة وضعف الخدمات ونقص في مستلزمات الحياة الأساسية، ليجيب مدير مخيم الإسمنت، لدى سؤاله: هل الأطفال المصابون بالتوحد في مخيمه بالقول: «قبل أن تسألوا عن المرض.. اسألوا هل هم جائعون ويتوفر لديهم الخبز؟!».

في مخيمات الجزيرة وكفتين والإسمنت يوجد 156 طفلاً تحت سن الخمس سنوات، وأكد بديع الأبرص، المتطوع والمختص بالعلاج السلوكي للأطفال في منظمة البنفسج، وجود حالات من التوحد والاكتئاب، وقال: «الجهل بالمرض ورفض الأهل التعاون هو أهم أسباب عدم توثيق الحالات وعلاجها، وهناك حالات محددة لأطفال تواصلنا معهم، ويرجّح إصابتهم بتوحد وانعزال تام عن الجميع».

يذكر أن جميع المخيمات المذكور خرجت من مناطقها بحلب وريفها تحت ظروف قاسية، وتسكن حوالي 70 عائلة على أرض مساحتها 150 دونماً. يقول علي الجدعان، وهو أحد النازحين من ريف حلب، لدى سؤاله عن الأطفال التوحديين بالقول «أطفالنا يلعبون معاً كل اليوم خارج الخيم، فكيف يصابون بمثل هذه الأمراض؟!».

للمزيد حول التوحد أضغط على الرابط التالي

“دائماً، فريدٌ من نوعهِ، ذكي تماماً، وبعض الأحيان غامض”.. “مصابو التوحد” اضطراب في النمو لكنهم عباقرة