“البالة” و “المستعمل” تزدهر في الغوطة الشرقية.. واقع جديد فرضه الحصار

قايضت أم محمد أدوات وأشياء تملكها، منها ألبسة أطفالها عندما كانواً صغاراً، بما يكفي ليؤمن لها ثمن حطب الشتاء الماضي، تقول “هذه الأشياء تعني ذاكرتي وذكرياتي، لكني فضلت استبدالها بالحطب لتدفئة بيتي”، عائلة أم محمد كثير من عائلات الغوطة الشرقية فرضت عليها ظروف الحرب بيع ما تملك من أشياء تستطيع الاستغناء عنها لتوفير ما يعينها على العيش وظروف الحصار.

0


سوريتنا برس

قايضت أم محمد أدوات وأشياء تملكها، منها ألبسة أطفالها عندما كانواً صغاراً، بما يكفي ليؤمن لها ثمن حطب الشتاء الماضي، تقول “هذه الأشياء تعني ذاكرتي وذكرياتي، لكني فضلت استبدالها بالحطب لتدفئة بيتي”، عائلة أم محمد كثير من عائلات الغوطة الشرقية فرضت عليها ظروف الحرب بيع ما تملك من أشياء تستطيع الاستغناء عنها لتوفير ما يعينها على العيش وظروف الحصار.

 لم تكن محلات بيع المستعمل، أو ما يطلق عليه البالة، منتشرة في الغوطة الشرقية قبل بدء الثورة السورية، قليل من الناس من كان يشتريها، فأغلبها مستوردة من أوروبا، وفي أسواق محددة وسط مدينة دمشق، وأسعارها أعلى من أسعار الألبسة الموجودة في السوق نظراً لجودتها.

بالة محلية

ومع تصاعد العمليات العسكرية وحصار الغوطة الشرقية، انتشرت ثقافة البالة ولكن بمفهوم مغاير، فلم تعد هناك ألبسة أوروبية، وإنما باتت البالة عبارة عن ألبسة محلية مستعملة، إضافةً إلى أدوات منزلية مختلفة وأشياء أخرى مستعملة كالأحذية والستائر وأدوات المطبخ، وأصبحت محلاتها تتوزع على كامل قرى وبلدات الغوطة الشرقية، ولا يوجد سوق واحد لها، ويعتمد أغلب الباعة على المحلات بدلاً من البسطات المكشوفة خوفاً من القصف.

ولا تقتصر الألبسة المستعملة على الملابس التي تبيعها العائلات؛ فهناك مصادر أخرى، منها العائلات التي هاجرت إلى خارج سوريا قبل حصار قوات النظام للغوطة، وأغلب هذه العائلات باعت كل ما تملك ليقينها أن العودة ستطول.

ومن المصادر أيضاً تصافي المحلات والتي انتقلت خارج الغوطة، وبقيت بعض البضائع التالفة فيها، كما تعتبر المستودعات ومعامل الألبسة، والتي كانت منتشرة بكثرة في مدينة حرستا مصدراً لمحلات البالة، وهذه الألبسة قديمة جديدة بآن واحد.

وأوضح أبو سليمان، وهو أحد أصحاب المعامل في مدينة حرستا، لــ سوريتنا، كيف تحولت الملابس التي ينتجها داخل المعمل إلى ملابس قديمة بعد أن بقيت مخزنة أربع سنوات وتعرَّض البناء الذي خزنها فيه إلى غارة جوية من قوات النظام أدَّت إلى تغطية الردم للملابس، واضطر أبو سليمان إلى بيع هذه الملابس بأسعار منخفضة جداً، بعد أن استطاع الوصول إليها عقب سيطرة قوات المعارضة على المنطقة التي يوجد بها معمله.

“التعفيش” انتهى

في فترة من الفترات، كان تعفيش المنازل هو المصدر الأهم لأسواق المستعمل، ويعتمد على سرقة المنازل التي هجرها أصحابها، وغالبها تحوي أدوات وألبسة جيدة أو بالكاد مستعملة، ولكن هذا المصدر تلاشى تماماً مع نفاد جميع المنازل بعد سنوات، إضافة إلى ضبط الأمور وتنظيم توكيل المنازل من قبل القضاء.

وقال طارق، وهو طالب لغة عربية في معهد إعداد المدرسين في الغوطة الشرقية «قسم كبير من أسواق المستعمل هي مسروقات من منازل أهالي الغوطة الذين هاجروا، جزء كبير من هذه المسروقات كسدت وتداولها الباعة حتى تحولت وكأنها تجارة شرعية».

أحد محلات البالة في الغوطة الشرقية | سوريتنا

من جهته قال نائب قائد شرطة الغوطة الشرقية أبو خالد الزغلول «إن قيادة الشرطة نسقت مع القضاء ومكاتب الإيواء بالمجالس المحلية، لضبط أية مخالفة في سرقة المنازل، ولا يفتح أي منزل إلا بوكالة رسمية يطلع عليها القضاء، وتضبط جميع محتويات المنازل التي سكنها المهجرين أو التي غادرها أصحابها».

وأضاف الزغلول «إن حالات سرقة المنازل أصبحت شبه معدومة، وخاصة بعد محاسبة أكثر من شخص ثبت عليهم تهمة سرقة الألبسة وحاجات أخرى من المنازل»، وطالب الزغلول المدنيين بالتعاون مع الشرطة والقضاء لضبط أفضل للأمور.

كما سجلت قيادة الشرطة عدداً من الضبوط بحق بائعي البالة، بعد ثبوت تورطهم مع السارقين واتفاقهم على تصريف الألبسة والسجاد ومسروقات أخرى.

أسعار متفاوتة

تتفاوت أسعار البالة في الغوطة بحسب جودتها وبحسب المكان الذي تٌعرض فيه، فتزداد أسعارها في المناطق المكتظة بالسكان وتنخفض في أطراف الغوطة، ويصل متوسط سعر القطعة الواحدة من الألبسة إلى 1000 ليرة، وهو مبلغ زهيد مقارنة بالألبسة الجاهزة، والتي تأتي من العاصمة بعد إدخال حواجز النظام كميات محدودة وبإتاوات عالية، حيث يصل سعر البنطال إلى ما يقارب 8000 ليرة سورية، أما الأدوات المستعملة فتختلف حسب نوعها وطبيعة استخدامها، وغالباً لا تتجاوز أسعار أغلى القطع 10000 ليرة سورية.

وغالب البالة الموجودة صناعة سورية غير مستوردة، ولا وجود للبالة الأوروبية أو المستوردة في الغوطة الشرقية أبداً؛ فهي غالية الثمن، ولم تعد تتناسب مع التغيرات المختلفة في السنوات السابقة، ما دفع التجار إلى العزوف عن شرائها لعدم إمكانية تصريفها داخل الغوطة.

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...