جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

العزلة الاجتماعية تحاصر اللاجئين السوريين في أوروبا

0

سوريتنا برس

يقيم عصام خاسكي في منزل متطرف بضواحي العاصمة السويدية ستوكهولم منذ ثلاث سنوات عقب وصوله لاجئاً من مدينته حمص، وعلى الرغم من توافر أسباب الراحة في المنزل الذي منحته إياه الحكومة السويدية، إلا أنه يعيش حالة نفسية صعبة في ظل العزلة الاجتماعية التي يعيشها في المنطقة التي لا يتواجد فيها لاجئون سوريون، فضلاً عن تعذر التواصل مع السكان المحليين كونه لم يتقن لغتهم بعد، ليكون حاله كحال الآلاف من السوريين الذين لجأوا إلى أوروبا خلال السنوات الماضية، ويعيشون في مناطق نائية ومعزولة.

لم الشمل المعضلة الكبرى

وتفاجأ معظم اللاجئين ممن وصلوا إلى القارة العجوز في العامين الماضيين بقوانين وتشريعات حالت بينهم وبين عائلاتهم، إضافة إلى عوامل أخرى كاللغة وزمن انتظار الإقامة الطويل ساهمت بتعزيز حالة العزلة الاجتماعية لدى اللاجئين، وتجلت في سلوكيات متنوعة كالانكفاء على الذات، والانطواء داخل مجتمع اللاجئين المصغّر، وإدمان وسائل التواصل الاجتماعي.

وعززت السياسات الخاصة بالهجرة في الدول المستضيفة للاجئين حالة العزلة الاجتماعية، حيث توقفت ألمانيا والسويد ودول أخرى عن منح تصاريح الإقامة الطويلة إلا ما ندر، واكتفت بمنح الإقامة السنوية، والتي لا تسمح لحاملها بلم شمل أسرته، ما ساهم في تفكك الأسرة وتباعدها.

وشهدت معظم تلك الدول تباطؤ في طلبات لم شمل الأسر السورية المشتتة بين دول مختلفة، وأعلنت صحيفة “نويه أوسنابروكر تساكتونا” الألمانية في تشرين الأول من العام الحالي، عن وجود تباطؤ شديد في عمليات لم شمل اللاجئين السوريين الموجودين في اليونان مع ذويهم في ألمانيا، خلال العام الحالي.

ورصدت الصحيفة وصول 322 لاجئاً سورياً من أصل نحو 4950 شخصاً من المقرر أن يلتحقوا بذويهم في ألمانيا، أي أن نسبة الأشخاص، الذين تمكنوا من اللحاق بذويهم بلغت 6.5 % فقط.

محمد سعيد القيّم لاجئ سوري في ألمانيا قال لــ سوريتنا: “أنتظر رؤية زوجتي وولدي الوحيد منذ أكثر من سنتين ونصف، غادرت حماة بعد إدراج اسمي على قوائم الاحتياط، وتوجهت إلى ألمانيا في صيف العام 2015، وحصلت على إقامة لثلاث سنوات، ورغم ذلك لم أتمكن الى اليوم من لم شمل عائلتي بسبب البيروقراطية والإجراءات المعقدة”.

وأضاف محمد “لم الشمل معضلتنا الكبرى، حالتي النفسية صعبة جداً، فلم أر ابني البكر منذ ثلاث سنوات، والتواصل عبر الانترنت لا يكفي، سيما أن شبكة الانترنت لديهم بطيئة وغير متوفرة معظم الأوقات”.

الإدمان على الانترنت لا يقتل العزلة

ويتجه العديد من اللاجئين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعويض عن حالة العزلة التي تنتابهم، ومنهم من يستخدم برامج وتطبيقات المحادثة بإفراط، ما عزز حالة العزلة والانكفاء على الذات أكثر، خاصة مع حالة الفراغ التي يعيشها معظم اللاجئين.

وأوضح عصام خاسكي “أمضي ساعات طويلة يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الدردشة، ولكن ذلك لا يخرجني من العزلة، فنحن معتادون على التواصل اليومي والاختلاط مع الناس، أما هنا فأشعر بإحباط وضجر شديد لا يُحتمل”.

كما اهتم كثير من الشبان بإنشاء صفحات وتجمعات على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف التواصل بين السوريين، وأطلق البعض قنوات منوعة على يوتيوب تعنى بقضايا اللاجئين، وتساعدهم على تسيير أمورهم المتعلقة باستشارات لم الشمل وترجمة الأوراق الرسمية.

الثلج ليس مفرحاً

وتساهم العوامل المناخية في بعض الدول، وعلى الأخص الاسكندنافية منها، في زيادة عزلة اللاجئين، يقول الشاب عبد الحكيم محمد الذي وصل السويد منذ عامين “أمضيت في الكامب قرب مدينة كارلسكرونا قرابة السنتين قبل حصولي على الإقامة، الثلج يغطي المدينة معظم أيام السنة، لكنه لا يبعث على الفرح كما اعتدنا عليه في سوريا”.

وأضاف عبد الحكيم “المسافات بعيدة جداً، الخروج للتسوق المكان الوحيد الذي أذهب إليه، وأمضي وقتي بمتابعة مسلسلات الدراما والمباريات على الإنترنت”.

ويتابع عبد الحكيم “حاولت العمل للخروج من العزلة التي أعيشها، لكن الشرطة منعتني، إذ لا يحق للاجئ العمل قبل الحصول على تصريح بذلك، أشارك ببعض النشاطات الخيرية وأحياناً أعلم الأطفال اللغة العربية في مسجد المدينة القريب في أيام العطل”.

آثار الحرب رافقت اللاجئين الى أوروبا

العزلة التي يعشيها اللاجئون سبّبت أزمات عديدة تتفاقم أكثر مع الذين عايشوا صدمات أثناء وجودهم في سوريا نتيجة الحرب وخاصة الأطفال، حيث خلُصت دراسة أجرتها جامعة ميونخ على 100 طفل سوري، إلى أن 60 % منهم يعانون من مشاعر العزلة، و20 % يشكون من اضطرابات ما بعد الصدمة.

وقال بشار مفلح الذي يقطن في مدينة دورتموند الألمانية “يسألني ابني كل يوم عن صديق له قُتل في غارة للطيران في مدينتنا إدلب، ويُبادر أحياناً إلى الانكفاء على نفسه كلما سمع صوتاً عالياً”.

ويرى الطبيب النفسي عبد الرحيم عبادي أن “كثير من اللاجئين السوريين في أوروبا عايشوا العنف في بلدهم بأشكال مختلفة، وهذا الأمر يتطلب إخضاع الكثير منهم لاختبارات سلوكية حتى لا تتطور أزماتهم النفسية وتصبح مع الزمن صعبة العلاج”.

وأضاف عبادي “العزلة التي يعاني منها اللاجئون نتيجة طبيعية لحالة الفراغ التي يعيشونها، ولكنهم قادرون على كسرها من خلال اتقان اللغة والاندماج في المجتمع الذي يعيشون فيه، أو ممارسة عمل ما والاختلاط مع الغير، بدل الجلوس في البيت والاعتماد على الراتب الذي يتقاضونه من الحكومة”.

لاجئون قرروا العودة

نتيجة الصعوبات المتنوعة التي يواجهها اللاجئون من فروق ثقافية واجتماعية وأخلاقية وضغوط نفسية، فضّل بعضهم العودة إلى سوريا أو تركيا، وشهدت الفترة الماضية بعض موجات الهجرة العكسية، عززها أيضاً تصاعد حدة العداء ضد اللاجئين من قبل موالي اليمين المتطرف الأوروبي.

وتعرضت العديد من المخيمات ومراكز الإيواء لاعتداءات من قبل مناهضي اللاجئين، ما انعكس على علاقة اللاجئين بمحيطهم من السكان المحليين، واضطر بعضهم لمغادرة تلك المناطق أو العودة إلى الدول التي وصلوا منها.

عبد الرزاق شاب من ريف حمص، وصل إلى ألمانيا أواخر عام 2015، لكنه ما لبث أن عاد إلى تركيا بسبب العزلة التي كان يعيشها هناك وعدم تحمله الواقع الاجتماعي المختلف عما اعتاده في قريته.

وقال عبد الرزاق “بعد وصولي إلى شتوتغارت تم فرزي إلى مخيم صغير في قرية تابعة لشتوتغارت، برفقة لاجئين عرب وأفغان وأفارقة، عانيت كثيراً في التأقلم، فالسكان المحليين في تلك المنطقة لم يبدوا تعاطفهم معنا، وخصوصاً بعد حادثة التحرش في مدينة كولونيا، كنا أشبه بسجناء في هذا المخيم، ما جعلني أفضل العودة إلى تركيا”.

تعليقات
Loading...