جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

“العين مغرفة الكلام”.. عوالم التواصل الافتراضي وفجوات بين المرسل والمتلقي

0

 نور الخطيب

علاقات عابرة للواقع والجغرافيا، عالم تجمعه مشاركة الملفات والصور، والرسائل الناجزة وبعض المحادثات، شبكات افتراضية تتيح التواصل وتقوي الترابط، هل ترسم لنا صورة حقيقية عن الآخر؟ أم تبقى العين مغرفة الكلام.

موقع الفيسبوك الذي يتربع على عرش تلك المواقع، ويحظى بقاعدة المستخدمين الأقوى على مستوى العالم والوطن العربي، (بلغت نسبة مستخدميه في 22 دولة عربية حوالي 90 مليون مستخدم)، لعب الدور الأكبر في صهر الحدود بين المستخدمين، وإدخالهم في دائرة، ظن الغالبية أنها تصلح لبناء جسور اجتماعية حقيقية فيما بينهم، لكن الصدمة كانت غالباً بالمرصاد.

العالم ليس كما يبدو

في الوقت نفسه، يرى كثيرون أن الترابط عبر وسائل التواصل الافتراضي غير كافٍ لبناء علاقات اجتماعية حقيقية، حيث يضطر الطرفان في معظم الأحيان لتزييف الحقائق، بغية الظهور بأحسن صورة، بينما قد تكون الحقيقة عكس ذلك، فالقرية الكونية، التي ربطت العالم ببعضه، تجاوزت النقطة الأهم للعلاقات، وهي الرؤية المباشرة، فبناء علاقة اجتماعية حقيقية مع أحدهم سيبقى ناقصاً ما لم ترَه، ولا تصلح العلاقات الافتراضية لأن تتجاوز مجالات العمل أو التسلية.

وتعتبر الرؤية البصرية أساس العلاقات والتواصل الاجتماعي الحقيقي، ولا تستطيع الشاشات نقل ما تنقله العين، فما تراه بصرياً لا تشعر به حرفاً الكترونياً.

باسم، طبيب مقيم في أنطاكيا، يرى أن استخدام تلك الوسائل يدخل حياتنا في كل المجالات، يقول “أنا لا أختار علاقاتي من خلال وسائل التواصل الافتراضي، ولا ثقة لي بها، لأن المستخدمين غالباً ما يزيفون الحقائق، والتعامل الشخصي والمباشر، هو الأساس في اختيار الصداقات المثمرة، تردني طلبات كثيرة من أصدقاء لا أعرفهم، عبر تطبيق فيسبوك، ولا أقبل أي منها”.

يضيف الدكتور باسم “أنا على ثقة تامة بأن الارتباط بأشخاص افتراضياً يبقى منقوصاً، ولا يقارن بمن تلتقيهم على أرض الواقع”، ويتابع “بسبب وجودي في تركيا، تمت خطوبتي من فتاة عبر التواصل الافتراضي، على الرغم من القرابة التي تجمعنا، إلا أنني لا أعرفها شخصياً، بدايةً خدعتني بكلامها المعسول، وتوسمت فيها حباً كبيراً، لكن الحقيقة والواقع كان مخالفاً، حيث تبين لي أنها اعتادت استخدام تلك المفردات، كونها من مهووسي وسائل التواصل، ويبدو أن كلماتها المعسولة ليست خاصة بي، وتتداولها مع كل من تتواصل معهم من أصدقائها الافتراضيين”.

وقد يرسل لنا صديق افتراضي صورة لتعزيز أواصر العلاقة، لكنها لن تنقل لنا إحساساً يدوم، بل تبقى العلاقة ضبابية، لأن الرؤية والتواصل المباشر، ينقل شعوراً تعجز الصورة وحتى الصوت عن نقله، فالصورة ثابتة وآنية، أما الرؤية المباشرة فتعطي العلاقات فرصة التطور والاستمرار، فنظرة واحدة أحياناً تمكننا من استنتاج طبيعة الشخص، بينما لا تسعفنا الصورة الثابتة في ذلك، سيما أن الصديق الافتراضي لن يرسل لنا صورة عابسة مثلاً، ليظهر طبعه النَكِد إن كان كذلك، فنراه مبتسماً في الصورة، بينما قد يكون في الحقيقة عبوساً أو حزيناً أو ميّالاً للصمت، وهذا ما لا تكشفه إلا الرؤية المباشرة.

لغة بمعان متعددة

ترى سميرة أن الرؤية الواحدة لا تكفي حتى، بل نحتاج لأكثر من رؤية، وتعامل على مدى ليس بقصير، لنتمكن من بناء علاقة حقيقية مع الشخص، سواء كانت صداقة أو غير ذلك، فالبعض يقع في وهم المفردات الدارج استخدامها في وسائل التواصل.

تقول سميرة “جمعتني صداقة بشخص رأيته لمرة واحدة، تقاربنا في الحديث، ثم تبادلنا عناوين وسائل التواصل، وتواصلنا افتراضياً عدة مرات، وحرصت على عدم إعطائه أي تلميح يجعله يفهم العلاقة بشكل خاطئ”، وتضيف “عادة ما أستخدم مفردات لطيفة في التواصل الافتراضي بهدف الود فقط، لكن صديقي كبر وهمه، وتنامى شعور المحبة عنده، بلا أي صلة لي بالأمر، ولو بقيت العلاقة في الواقع، وسمع مني تلك المفردات أثناء التلاقي المباشر، مع تعابير الوجه الحقيقية، لبقيت العلاقة واضحة أكثر، وضمن الحدود”.

ويحكم التواصل الافتراضي نمط جديد داخل المجتمع، بل حتى الأسرة، هذا النمط قوامه الرموز التعبيرية، والردود المنتقصة أو الكاملة، حيث بات استخدامها في الواقع الافتراضي، بديلاً للأحاسيس الواقعية.

فمثلاً، للتعبير عن الحب ترسل له قلب أحمر، أو وردة للتعبير عن الامتنان أو الشوق، أو وجهاً ضاحكاً للتعبير عن المرح والسعادة، بينما يعبر الوجه الأحمر الغاضب عن الاستياء والغضب، يقول محمد “استخدام تلك الرموز أو الوجوه، ينقل إحساساً افتراضياً بدلاً عن الحقيقي، وبالفعل، إن رأيت وجهاً سعيداً ابتسم عفوياً، وإن رأيت وجهاً ضاحكاً يرافق كلاماً طريفاً، فإنني سأقهقه ضحكاً، وعلى هذا المنوال، اعتدنا التواصل الافتراضي الذي يعد أفضل الحلول في ظل البعد عن الأهل”.

كما قد تعطي الأجوبة المنقوصة، شعوراً لدى المرسل بغضب المتلقي، أو تقلب مزاجه، يضيف محمد “أصبحت أستقرئ شعور زوجتي، وحالتها المزاجية، من خلال ردودها المكتوبة، فإن أجابت بشكل مقتضب عن (كيفك؟)، فإنه يثير تساؤلي، هل هي غاضبة أم متعبة؟، بينما إن كان الجواب مستفيضاً، فهذا يعني حتماً أنها راضية ومزاجها معتدل”.

مفردات مفخخة

ليست الرموز التعبيرية فقط من تتحكم بالشعور الافتراضي، بل هناك عبارات يعتمدها المستخدمون، تلعب دوراً في تحديد شعور المتلقي، يقول فريد “دخل صديقي في قصة حب خرافية، واستمرت لأكثر من عام من جانبه فقط، لأن إحداهن قالت له “تسلملي”، فمن المفروض “الكترونياً”، أن تكتفي بقول، “تسلم” فقط، للتعبير عن الامتنان والشكر”.

كما أن التحدث بصيغة الجماعة يعطي للحديث طابعاً رسمياً، فيما يبقى الطابع خاصاً عند التحدث بالمفرد، يقول محمد “شتان ما بين شعور الشاب إن كتبت له صديقته الافتراضية: اشتئتلك أو اشتئنالك، وشتان ما بين: مسا الخير ويسعدلي هالمسا”.

كثير من الأصدقاء قليل من الحب

أصدقاء افتراضيون كثر أصبح وجودهم أساسياً في حياتنا، حيث يقول البعض أن الشخص الطبيعي ينظر إلى هاتفه المحمول أكثر من 150 مرة في اليوم، ولم يعد صديقي هو من أراه وأتواصل معه بشكل طبيعي، بل الصديق هو من يضع علامة الإعجاب “لايك”، ويستجدي استمرار العلاقة الافتراضية بالتعليق أو المشاركة.

ويصل الأمر أبعد من ذلك، فالتهاني والتعازي والمعايدات، باتت تقام مجالسها عبر الشاشة الزرقاء، لكن ما يوجب الانتباه، أن تلك الوسائل أرض خصبة لنصب المكائد والغش والخداع، فربما يتظاهر أحدهم بالمحبة “الافتراضية”، وقد يقنع نفسه والآخر بأنهما متحابان، ريثما ينال مبتغاه من تلك العلاقة، أو ريثما ينصب مكيدة ما، ليؤذن بعدها الـ “بلوك”، بزوال ذلك الحب، عند اكتشاف غرضه، أو عند أول جدال داخل نافذة “الشات”.

يقول سامر “غياب المعرفة الحقيقية، يسهل نصب المكائد والمؤامرات لأي شخص تختاره أنت افتراضياً أصلاً، وتجعل منه صديقاً وهمياً قابلاً للزوال، بزوال “الجروب” الذي يجمعكم مثلاً، والنفع هنا سيد الموقف، فالصديق الافتراضي يبحث عن المكاسب ليتابع مسيرة الصداقة، أما من لا يجدي نفعاً، فسينال مكيدةً أو إهمالاً، تجعله يغادر المجموعة قبل اضطرار الآخرين لاستخدام الـبلوك ضده”.

“ضفته ولم يقبلني” مشكلة المشاكل

كثرة انصياع البعض لقوانين التواصل الافتراضي، حدّ حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية بحدودها وأغرقهم بها، وراحوا يحكمون على غيرهم ممن لم يغرق معهم، أحكاماً خاطئة، من خلال شاشات تقدمهم على غير ما يبدون عليه حقيقة، فالدائرة الضيقة التي يحكم بها هؤلاء على الآخرين، تجعل الخارج عنها غير ملتزم اجتماعياً، حسب ما يرون.

كثرة انصياع البعض لقوانين التواصل الافتراضي، حدّ حياتهم وأغرقهم بها، وراحوا يحكمون على غيرهم ممن لم يغرق معهم أحكاماً خاطئة، من خلال شاشة تقدمهم على غير ما هم عليه حقيقةً، فالدائرة الضيقة التي يحكم بها هؤلاء على الآخرين، تجعل الخارج عنها غير ملتزم اجتماعياً.

فقديماً مثلاً، يوصف بالتكبّر من هو قليل الكلام والتواصل مع الآخرين، وربما من خلال استقراء ملامح وجهه العابسة، أما اليوم، فإن عدم، أو تأخر، قبول طلب الصداقة على الفيس بوك، أو تأخر الرد على رسائل واتساب، تمنح صفة المتكبر، فضلاً عن صفات سيئة أخرى.

تقول ولاء “أرسلت لي إحداهن لي إضافة عبر الفيس بوك، من بين عشرات الإضافات التي تصلني يومياً، وهذا الأمر أصلاً لا يشغلني كثيراً، بل أرتاد الحساب في أوقات متفاوتة، وتأخري بقبول إضافتها دفعها لإلغاء الطلب، ونعتي بصفات أقلها التكبر”.

خطر التواصل الافتراضي اجتماعياً

الأسرة التي اعتادت على دفء العلاقات، والتقارب بين أفرادها ووسطهم المحيط، تفككت اليوم، وبات أفرادها محكومين بشاشة الهاتف أو الكمبيوتر، وكلٌ يصنع لنفسه عالماً يناسبه، وأصدقاء يشاطرونه الفكر والرأي، وربما المناسبات، بينما يترك نسيج الأسرة، التي هي نواة المجتمع، طي النسيان.

ففي ظل كثرة وسائل التواصل، التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، غابت الرقابة الأسرية، وتوجب على الأهل أن يزرعوا الرقابة الذاتية في أولادهم، ليتلافوا الوقوع في الخطر الافتراضي.

والمراهقون هم الأكثر عرضةً لذلك الخطر، حيث يمضون معظم أوقاتهم في التواصل عبر الشبكات الرقمية، ما يعني أن مهاراتهم الاجتماعية إلى زوال، وتواصلهم مع محيطهم شبه معدوم، في مرحلةٍ من عمرهم تعد الأساس في بناء الشخصية، فكيف لنا أن نبني اليوم كائناً سوياً في مجتمعه الواقعي، لكن ما يحكمه هو عادات افتراضية، اكتسبها من شخوص افتراضيين، وثقافة مجتمعية منافية لبيئته.

المراهقون طبعاً لا يرون سلبية في الأمر، بل على العكس يرونه إيجابياً، وحسب رأي الكثيرين منهم، فإن ما يمنحونه من وقت لأسرهم كافٍ جداً، يقول بشر 15 عاماً “أظن أن الساعات التي أقضيها مع عائلتي كافية، والوقت الذي أمضيه بالتواصل، هو وقت ذو نفع كبير لي، فمن خلال صداقتي الطويلة مع شخص كندي، اكتسبت مهارة التحدث باللغة الإنكليزية بطلاقة”.

تعليقات
Loading...