جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

الكاسران 16

0

ياسين أبو فاضل

أسفل سفح تل الجموع في ريف درعا الغربي، وخلف ألواح عملاقة للطاقة الشمسية، تستطيع أن ترى، إذا ما دققت النظر، فتحة مغطاة بحجارة سوداء لما يسمى بالبلوكوس، وهو غرفة صغيرة تحت الأرض، أعدت لأغراض عسكرية، يقبع داخله، ويقيم فيه، جنديان يرمز لهما بـ “الكاسران 16”

يتناوب الكاسران كل ست ساعات على مراقبة السماء، لرصد الطائرات الإسرائيلية بالنظر، ليلاً نهاراً، صباحا مساءً، مهما كانت حالة الطقس، والمراقبة بالنظر!

للتل، كما للكاسرين، حكايات منسية غابرة، لا يعبأ بها أحد ، الجميع هنا من ضباط وعساكر ألِف وجود الكاسران 16، حتى ظن البعض أنهما متطوعان، وليسا مجرد جنديين عاديين يؤديان خدمة العلم.

أحمد وفوزي،الكاسران،الوحيدان التابعان للقوى الجوية على التل، أحمد تجاوز ثلاثة أعوام ونصف في الخدمة، بينما يكره فوزي الإفصاح عن عدد السنوات التي أمضاها في هذا المكان.

ارتبطت حياة الكاسرين بجهاز الراديو المثبت داخل البلوكوس، يعمل الأثنان بمفردهما دون ضابط، الجهاز اللعين قادر حتى على إحصاء أنفاسهم، التفقد الذي يتم عبر الجهاز كل خمس دقائق تقريباً، يضمن للضابط أن جميع عناصر القوى الجوية، المنتشرون على تلال المنطقة، يؤدون أعمال الرصد والمراقبة، دون أي تقاعس.

الذهاب لدورة المياه ليس سهلاً على الكاسرين، عليهما أن يرسلا عبر الجهاز الرمز 05، ومن ثم الانتظار حتى تأتي الموافقة على عدد الثواني المسموح لهم بقضائها بعيدا عن الجهاز، كما أن انقطاع الكهرباء المتكرر لا يجدي، حيث حرصت القيادة الحكيمة على توفير ألواح شمسية، لتغذية الجهاز بالكهرباء حال انقطاعها عن التل.

في أحد أيام شتاء 2010، تحول ذاك البلوكوس إلى مركز للحدث، بعد صرخات مدوية دبت الرعب في قلوب عساكر التل.

استيقظ أحمد، ليجد فوزي مضرج بالدم، وفي مشفى نوى، علم من رافق فوزي، أنه حاول الانتحار بتقطيع أحد أوردته، بعد أن تلقى عقوبة 20 يوم خدمة جديدة، لأنه لم يبلغ عن الطائرة التي مرت في الليلة السابقة، وعلى الرغم من أن جهاز الرادار يكشف مرور الطائرات، إلا أن قانون القوى الجوية يفرض العقوبة على الكاسر المناوب، في حال لم يبلغ عن مرور الطائرة.

اتفق العناصر الذين رافقوا فوزي إلى المشفى، على إخفاء محاولة انتحاره، كروز دخان “حمرة طويلة” كان كافياً لإقناع مفرزة الشرطة أن لوحاً زجاجياً سقط على فوزي صدفةً، ومنذ عودته من المشفى، قرر عناصر التل مساعدة الثنائي، ثابر الجميع على مراقبة الأجواء، وإبلاغهما عن أي طائرة تُرى في الأجواء، تطلب الأمر بضعة دروس من الثنائي على طريقة تحديد موقع الطائرة ونوعها، أما هوية الطائرة، فلا داعي لتحديدها، فالطائرات السورية لا تتجرأ على الاقتراب من المكان.

ساهم معظم المجندين على التل، بمراقبة الأجواء وإبلاغ الكاسرين على الفور، حال رؤيتهم لإحدى الطائرات، غدا الأمر شغل المجندين الشاغل، ولأول مرة تمضي ثلاثة أشهر دون أن يتعرض الكاسران لأي عقوبة جديدة، استعادا الثقة بنفسيهما، استدعي فوزي بعد تلك الفترة إلى مقر قيادة القوى الجوية في درعا، ظن أنه سيُكرم أو يُشكر على ما يبذله من جهود.

شخص ما كتب بالعناصر تقريراً أمنياً، خلال التحقيق، اعترف فوزي بتلقي بعض المساعدة من عناصر آخرين في عمله، اعتقل على الفور بحجة تسريب معلومات عسكرية هامة، غير مصرح بنشرها، قد تلحق الضرر بأمن القوى الجوية، اقتيد أحمد بعد أيام هو الآخر، بعد ذلك وصلت إلى التل دورية تتبع المخابرات الجوية، لاقتياد كل من ساعد الثنائي للتحقيق معهم، رفض الضابط المناوب أومر الدورية، متذرعاً بتوقف العمل إن تم استدعاء الجميع، وطلب الاتصال بقائد الوحدة العسكرية.

بعد نصف ساعة من الانتظار، وصلت أوامر جديدة بتقسيم العدد الذي سيتم التحقيق معه إلى مجموعات، واقتياد ثلاثة أشخاص في كل مرة، استدعي الجميع لفرع المخابرات الجوية، بمن فيهم الضباط، تم التحقيق بشكل روتيني بعد أن تدخل ضابط كبير، أما فوزي وأحمد، فتم استبدالهما بكاسرين جديدين، دون أن يعرف عن مصيرهما أحد.

تعليقات
Loading...