جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

النسيان آفة الحب والمعرفة

0

فادي جومر
لا يكاد يخلو خطاب، أو مقال، أو حتى “بوست” من دعاة التسامح والسلام، المبشرين بالوطن الحلم، أو الداعين لبدء حياة جديدة وردية في بلاد اللجوء المتحضرة، من نقطة ارتكاز أساسية الحضور، حتى وإن غابت ظاهراً: النسيان.

تبدو كل الطرق إلى المستقبل مغلقة أمام الضحايا، طالما أن لهم ذاكرة حيّة، وكأن الوطن، سواء كان سوريا أو غيرها، مبني على النسيان، وكأنّ الذاكرة هي التي تقصف المدن، وتمزق المجتمعات، وتعتقل الأبرياء، وتحاكم الأطباء والصحفيين، وتعذّب المعارضين حتى الموت، وكأنّ الذاكرة هي التي “تمكنن” الإنسان، وتحول بينه وبين أبنائه، وتغلق الحدود في وجه الهاربين من الموت.

هل يكون الوطن “وضيعاً” حقاً إلى هذه الدرجة؟ هل يكون عصيّاً على البناء والاستقرار ما لم ننسى؟

قد يكون كذلك، فأنا لم أعرف وطناً حقيقياً في يوم من الأيام، ولا أعرف كيف يمكن إرضاؤه، أو بناؤه، مثلي مثل الملايين المحرومين من حق المواطنة حول العالم، ولا أعرف كيف أكون بلا وطن كهذا الوطن الذي ينسى ويجبرني على النسيان ليكتمل “نموه”.
ولكن:

حتى ولو فرضنا جدلاً أن هذا النسيان الجذري العميق، هو أساس البناء المتين للأوطان والحياة، فلا يمكن للعقل أن يقبل أن يكون النسيان، وبالتالي، الذاكرة: انتقائية، مصممة لحذف وإبقاء ما يناسب دعاة السلام والتسامح “إياهم”.

لأبني سوريا، لتسمح لي سويا ببنائها، عليّ أن أنسى البراميل، والمعتقلات، والموت تحت التعذيب، والميغ، والطيران الروسي، والقوات الرديفة الطائفية، والشعارات الموغلة في الطائفية على جدران البيوت بعد ذبح أطفالها، عليّ أن أنسى مشهد الحلبي الذي ساومه جند الأسد على إطلاق سراحه مقابل زوجته، عليّ أن أنسى صور أحد عشر ألف معتقل ماتوا تحت التعذيب، وأن أنسى سوق السنة، وهويّة البائعين والمشترين فيه، عليّ أن أنسى الجدار البشري الذي أقامه أهالي عكرمة والزهراء لمنع دخول المساعدات الإنسانية للوعر، علي أن أنسى الحولة والكرم وخان شيخون، النبك ويبرود.. اقتحام حماة بالدبابات، مجزرة ساحة العاصي في جمعة أطفال الحريّة وهوية مرتكبيها.

عليّ أن أنسى سيلفي ميشلين عازار مع الجثث، وكلام أدونيس عن الخميني، ومدائح نزيه أبو عفش لبوتين، وتقديس دريد لحام لخامنئي، عليّ أن أنسى كل هذا ولكن:

حذارِ من نسيان التطرف الإسلاموي ونتائجه، حذارِ من نسيان ألاعيب الإخوان المسلمين، أو نسيان ما فعلته سياسات تركيا، حذارِ من نسيان نتائج التسليح المزعومة، حذارِ من نسيان الهاون على جرمانا، أو تصريحات مجنون هنا أو هناك، لا يملك سكيناً حادة، عن إبادة طائفة ما.

لأكون مواطناً أوروبياً صالحاً، وترضى عني أنظمة الاندماج، عليّ أن أنسى قصف التحالف الدولي على الرقة ودير الزور وإدلب، عليّ أن أنسى الحدود المغلقة في وجه الهاربين من الموت، عليّ أن أنسى المساومات على قضية اللاجئين، عليّ أن أنسى العالقين على حدود اليونان في خيام القهر، عليّ أن أنسى سفارات الأسد في أوروبا، وكرسيه المحفوظ في الأمم المتحدة، والوثائق التي تطالبني هذه الدول بإحضارها مصدّقة من نظامه، عليّ أن أنسى أني أعيش وحولي ملايين النازيين، وأنهم ممثلون رسمياً في البرلمان.

ولكن:

حذارِ من نسيان مخاطر عدم معرفة هوية امرأة منقبة في مكان عام، أو حادث إرهابي راح ضحيته عشرة أبرياء، أو لاجئ لم يذهب لمدرسة اللغة.

حذارِ من نسيان مئة يورو يأخذها لاجئ كمساعدة شهرية ليطعم طفله أو زيارة مجانية لمشفى ما.

لا أعرف إن كنت سأنسى، ولا أعرف صحة هذه الأسطورة عن ضرورة النسيان لبناء المستقبل، ولكن ما أعرفه علم اليقين، أن النسيان آفة الحب والمعرفة.

تعليقات
Loading...