“دائماً، فريدٌ من نوعهِ، ذكي تماماً، وبعض الأحيان غامض”.. “مصابو التوحد” اضطراب في النمو لكنهم عباقرة

«أنا وئام، أنا مصابة بمتلازمة داون، أنا جزء من هذا المجتمع، أمتلك الإرادة كي أنمو وأتعلم، أحبكم أحبوني».

0

 


سوريتنا برس

«أنا وئام، أنا مصابة بمتلازمة داون، أنا جزء من هذا المجتمع، أمتلك الإرادة كي أنمو وأتعلم، أحبكم أحبوني».

بهذه الكلمات افتتحت الطفلة وئام “مركز ملهم لأطفال التوحد والاحتياجات الخاصة” في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي، نهاية آذار الماضي، ويضم المركز 62 طفلاً، تسعة منهم يعانون من التوحد، وثلاثة من متلازمة داون، و25 طفلاً يعانون من إعاقات حركية، أما بقية الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية وسلوكية.

 ماذا يعني التوحد؟

“طيف التوحد” مجموعة من الاضطرابات المعقدة في الدماغ لدى الأطفال أثناء نموه منذ العام الأول عمره، ويمكن تشخيصها بشكل واضح في عمر العامين، من خلال سمات تتصل بتأخر أو تراجع المهارات اللغوية والاجتماعية.

وتعتبر تسمية “طيف التوحد” (Autism Spectrum) أفضل التسميات تعبيراً عن التوحد، وتختصر التسمية بالإنكليزية الكلمات (always unique totally intelligent sometimes mysterious)  وتعني أن التوحدي هو: دائماً، فريدٌ من نوعه، وذكي تماماً، وبعض الأحيان غامض.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية أن طفلاً واحداً من بين كل 160 طفلاً يصاب بأحد اضطرابات طيف التوحد في العالم، وتمثل تلك التقديرات عدد الحالات في المتوسط، وتتباين معدلات انتشارها تبايناً كبيراً بحسب الدراسات، بيد أن بعض الدراسات الحديثة تفيد بمعدلات انتشار أعلى بكثير من ذلك.

وتعد كل حالة توحد أقرب أن تكون حالة فريدة بحدّ ذاتها، بصفاتها وأعراضها، وتمتدّ الحالات من الخفيفة إلى الشديدة، كما أن المتعافين من التوحد، قد يكونون في أي مكان في هذا الطيف، فإذا كانت الحالة “شديدة” فلا يعني ذلك استحالة الشفاء، والعكس صحيح.

وعادة ما يتم تشخيص حالات طيف التوحد بناء على السلوك، فهناك أعراض عدة، تختلف من شخص لآخر، فقد تظهر بعض الأعراض عند طفل، بينما لا تظهر هذه الأعراض عند طفل، رغم أنه تم تشخيص كليهما بأحد أطياف التوحد.

ولا تتوفر معلومات دقيقة عن حالات الأطفال الذين يعانون من طيف التوحد في سوريا قبل 2011، لكن وجدت مجموعة من المراكز المتخصصة المعنية بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ومن ضمنهم المصابون بالتوحد، لا سيما في محافظتي دمشق واللاذقية.

الأسباب والأعراض

تشير البيانات العلمية أن عوامل عديدة وراثية وبيئية، على حد سواء، تسهم في ظهور اضطرابات طيف التوحد عبر التأثير في نمو الدماغ بوقت مبكر، كما تشير بيانات الصحة الوبائية أنه لا تتوفر إثباتات عن وجود صلة بين بعض لقاحات الأطفال، كالحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، والإصابة باضطرابات طيف التوحد، وبالتالي لا توجد معلومات واضحة بشكل كافٍ عن أسباب محددة له، وتبقى الأسباب المعلنة فرضيات وترجيحات وتقاطعات من حالات مختلفة تم دراستها، وبالتالي لا نستطيع إعطاءه صفة المرض، وإنما هو اضطراب بالنمو العصبي، الذي يتصف بضعف التفاعل الاجتماعي، والتواصل اللفظي وغير اللفظي.

وتظهر أعراض التوحد منذ الشهور الأولى لدى غالبية الأطفال، بينما ينشأ أطفال آخرون ويتطوَّرون بصورة طبيعية خلال الأشهر أو السنوات الأولى من حياتهم، لكنهم يصبحون فجأة منغلقين على أنفسهم، عدائيين، أو يفقدون المهارات اللغوية التي اكتسبوها حتى اللحظة.

وعلى الرغم من أن لكل حالة توحد تفردها، وكل طفل يظهر طباعاً وأنماطاً خاصة به، إلا أنه توجد بعض التفاصيل تتعلق بالمهارات الاجتماعية واللغوية والسلوكية تبدأ بالظهور على الأطفال، منها:

· لا يستجيب للمناداة، وغالباً ما يبدو أنه لا يسمع محدثه.

· لا يكثر من التواصل المباشر بصرياً، ويرفض التواصل الجسدي وينكمش على نفسه.

· يبدو أنه لا يدرك مشاعر وأحاسيس الآخرين.

· يفضل اللعب لوحده، ويعيش في عالمه الخاص.

· يبدو نطق الكلمات في سنِّ متأخرة، ومع الوقت يفقد القدرة على نطق كلمات أو جمل معينة كان يعرفها في السابق.

· يقيم اتصالاً بصرياً حينما يريد شيئاً ما.

· يتحدث بصوت غريب، او بنبرات وايقاعات مختلفة.

· يتكلم باستعمال صوت غنائي، او صوت يشبه صوت الانسان الآلي.

· لا يستطيع المبادرة إلى محادثة او الاستمرار في محادثة قائمة.

· قد يكرِّر كلمات، عبارات او مصطلحات، لكنه لا يعرف كيفية استعمالها.

· ينفذ حركات متكررة مثل: الهزاز، الدوران في دوائر او التلويح باليدين.

· ينمي عادات وطقوس يكررها بشكل دائم.

· يفقد سكينته لدى أي تغير، حتى لو كان بسيطاً أو صغيراً.

· يصاب بالذهول والانبهار من تفاصيل معينة، مثل دوران عجلة سيارة لعبة، أو صوت رنين النقود على الأرض.

· شديد الحساسية للضوء والصوت واللمس.

 مفاهيم خاطئة:

· تاريخ التوحد مليء بكثير من التجارب والفرضيات، التي تبين للعلماء فيما بعد، أن معظمها خاطئ، وفي كل دراسة وتجربه يخلص العلماء إلى نتيجة مكرَّرة مفادها أن التوحد سهل إذا تم التعامل معه بشكل سليم من الأهل والمحيط، ومن أبرز المفاهيم الخاطئة:

· التوحد ليس مرضاً: يعتقد البعض أن التوحد مرض عقلي أو ذهني يشبه التخلف العقلي.

· مرضي التوحد ليس لديهم إحساس: من المعتقدات الخاطئة هي أن المصابين بالتوحد ليس لديهم مشاعر ولا يريدون التواصل مع الآخرين، حتى إن بعض الأشخاص قالوا: إن المجرمين والقتلة هم أشخاص مصابون بالتوحد، بينما الحقيقة هي على العكس تماماً، فالمتوحد يمتلئ بالأحاسيس والمشاعر لمن حوله. هو فقط لا يمتلك القدرة على التعبير، ولا يمكنه التعبير حتى الحزن أو السعادة بملامح وجهه.

· طفل التوحد ليس غبياً: يعتقد البعض أن طفل التوحد يعاني من الغباء، ولكن هذا غير صحيح، فبعض الأطفال المصابون بالتوحد، لديهم درجات ذكاء تصل إلى حد العبقرية في كثير من الأحيان.

· التوحد ليس مرضاً حديثاً: يعتقد البعض أن مرض التوحد لم يكن منتشراً في الماضي وانتشر في العصر الحديث، وهذا غير صحيح، فكل ما حدث أن الأدوات الطبية والاختبارات التي تشخص التوحد أصبحت أكثر دقة.

 الأطفال التوحديون في شمال سوريا.. خوف دائم ومراكز تغلق

يواجه الطفل التوحدي العديد من المخاطر في مناطق المعارضة شمال سوريا، فحالات القصف والغارات المستمرة تجعله معرضاً للخوف الدائم ليدخل في حالات تشنج وعنف كبير كرده فعل لخوفه مما يدور حوله، وتأثير المحيط عليه.

من مركز إدلب لذوي الإحتياجات الخاصة | سوريتنا

كما تواجه المراكز المتخصصة خطر الإغلاق بشكل متكرر نتيجة القصف، كما حصل مؤخراً مع مركز سلقين، الذي تعرَّض بناء قريب منه للقصف، ما دفع القائمين عليه إلى إغلاقه، خوفاً من استهدافه بشكل مباشر مره أخرى، إضافة إلى تحديات تأهيل كوادر هذه المراكز وتدريبهم على التعامل مع الأطفال المصابين بأطياف التوحد.

ولا تتوفر مراكز مختصة وكافية لرعاية الأطفال التوحديين، سوى بعض المراكز التي كانت موجودة سابقاً كمركز مدينة إدلب الذي أنشئ في المدينة في العام 2004، ومركز آخر في مدينة معرة النعمان بريف إدلب، ومركز يتبع لجمعية في قرية كفرتخاريم تهتم بالأطفال بشكل عام وفيه مساحة للأطفال التوحديون، إضافة إلى تواجد بضعة أطفال في أكثر من مركز وروضة في مناطق ريف إدلب.

لأنهم مميزون

«إيماناً منا بأنهم مميزون ويستحقون كل العناية والاهتمام، اسم مركزنا مميزون». يقول محمد الراغب المسؤول عن مركز مميزون في مدينة معرة النعمان، والذي تم افتتاحه في كانون الأول من العام 2015، ويعمل على تأمين ورشات تعليمية وأطباء مختصين للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من ضمنهم سبعة أطفال يعانون من التوحد، و25 حالة ممن لديهم متلازمة داون، وحالات أخرى لأطفال يعانون من فقدان البصر أو يعانون من العزلة ورهاب الأماكن المزدحمة.

رغم أن المركز هو الأكبر في المنطقة، إلا أنه يعاني من نقص الكوادر المؤهلة الكافية، فالمركز لا يستطيع استقبال أكثر من 25 طفلاً لعدم وجود مدربين ومدربات مختصين. يقول الراغب: «نحتاج إلى مكان لتدريب الشبان على التعامل مع الأطفال، والتميز بين حالات الاكتئاب والعزلة والتوحد، وقد تم تشخيص كثير من الأطفال بشكل أولي أنهم مصابون بالتوحد، لكن بعد عرضهم على طبيب أعصاب مختص وطبيب نفسي لأكثر من جلسة، اكتشفنا أنهم يعانون حالات مختلفة، كالاكتئاب ورهاب الازدحام، ورهاب الأصوات العالية».

تعتبر هند، وهي تعمل في المركز منذ سنة، أن المركز ليس مركزاً صحياً للعلاج بقدر ما هو مكانٌ للترفيه وتعليم الطفل على التواصل مع من حوله، وتضيف «لدينا كتب خاصة للتسلية والتعرف على الألوان والأشكال والأحجام، كما نحاول مساعدتهم على اعتياد التواصل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين والتكلم معهم، لكننا نحتاج للتدريب والتأهيل المستمر حتى نكون مفيدين بشكل كامل لهم».

مساحة خاصة

«بذلنا ما بوسعنا، وخصصنا لهم غرفة ومدربة خاصة لهم، إلا أن وضع الأطفال لا يتحسن». تقول مريم محمد، مديرة جمعية الأطفال في كفرتخاريم، حيث استقبلت كلاً من سامر وخالد، الطفلين اللذين تم تشخيص إصابتهما بالتوحد، خاصة أن أهلهم لا يستطيعون إرسالهما إلى أبعد من البلدة. وأكدت مديرة الجمعية لــ سوريتنا أنها «أكدت للأهل أن المركز ليس لديه أية خبرة في التعامل مع حالات التوحد، كما أن الطفلين يعانيان من حالات يصعب أحياناً التعامل معها».

ونصحت مديرة الجمعية الأهل بنقل أطفالهم إلى مركز سلقين، لكن الأهل أوضحوا أنهم لا يستطيعون ذلك، لخطورة الطرق وتكاليف النقل، وتقول مريم «أحاول توفير ظروف الراحة والأمان لسامر وخالد في مساحتهم الخاصة في روضة الجمعية قدر استطاعتنا».

جمعية إدلب لذوي الاحتياجات الخاصة

افتتح “مركز إدلب لذوي الاحتياجات الخاصة” عام 2004 بدعم أهلي من سكان مدينة إدلب، وهو مستمر حتى اليوم رغم صعوبات كثيرة تواجهه. المركز يعنى بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام، ويستقبل 12 طفلاً توحدياً، تتراوح أعمارهم بين العامين وحتى الرابعة عشر.

تقول فريال الخطيب، مديرة الجمعية «قبل قبول الطفل يتم عرضه على طبيب مختص بأمراض الأعصاب، والمدرسات في الجمعية يمتلكن خبرة لأكثر من 7 سنوات في التعامل مع جميع الحالات، ومن ضمنها التوحد، وتلقين في العام 2012 عبر منظمة الهلال الأحمر السوري لدورة تدريبية مكثفة، ليكن قادرات على التعامل مع أطفال الجمعية».

كانت الجمعية سابقاً تتلقى أجوراً رمزية من الأهالي، إلا أن خروج مدينة إدلب عن سيطرة النظام في العام 2015، دفع بالجمعية لإلغاء الاشتراك، والاكتفاء بمبلغ رمزي لتكاليف النقل والباص.

أحمد بيدو وضع طفلته في الجمعية منذ ثلاثة شهور، بعد أن كانت في روضة أطفال عمومية. يقول: «كان يسبب الضجيج لها البكاء دائماً، ترفض التعلم وترفض الجلوس مع الأطفال، والآن بدأت بالتحسن، بدأت تحب مدرستها وتحب المكان وتعرف الألوان وبعض من الأشكال، وبدأت تستقر بشكل أفضل من قبل».

مراكز التوحد في مناطق النظام: تعديل للسلوك وتعليم الألوان

في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، يوجد ست مراكز بشكل رسمي، اثنان في مدينة دمشق، ومراكز في كل من اللاذقية وجبلة والقرداحة، وطرطوس، جميعهم يقدمون خدمات الرعاية للطفل التوحدي مقابل مبالغ مالية تبدأ من 50 ألف ليرة سورية سنوياً حتى 350 ألفاً، في فترة دوام صباحية.

في لقاء مع شوقي غانم، المدير الفني لجمعية التوحد في اللاذقية، نقله موقع “صافيتا” قال: «المركز هو علاج تربوي تأهيلي تربوي تعليمي لأطفال التوحد، فنحن عبارة عن مدرسة نهارية، تحوي 12 معلمة و27 طفلاً من مختلف الأعمار، ولدينا فرع ثانٍ في جبلة»، ويضيف في سؤاله عن عدد أطفال التوحد في سوريا: «لا يمكن تحديد العدد فمثل هذه الظروف، وحتى الأطفال المسجلين في المدرسة غير مستمرين للعديد من الظروف التي لا يمكن لنا معرفتها.

كما يوضح الغانم أن المركز لا يستطيع مراقبة ومتابعة علاج الطفل توحدي، فهو يقدِّم البرامج التدريبية على الألوان والأشكال، ويساعد على النطق، إضافة إلى تعديل السلوك وتعليم الرسم والكمبيوتر والموسيقا.

دمج مع المدارس العامة

كما أقرت شهيدة سلوم، رئيسة مجلس إدارة جمعية التوحد في اللاذقية، زيادة عدد التوحدين في المدارس العامة، بعد أن كان مسموحاً لطفلين في كل مدرسة، أصبح القرار يسمح بدمج خمسة أطفال توحديين في المدارس العادية، بعد حضورها الملتقى العلمي الأول لمراكز التوحد في العالم العربي الذي أقيم في السعودية ونظمته الجمعية الفيصلية الخيرية النسوية، وضمن فعاليات الملتقى. قدمت السلوم “رسالة أطفال التوحد في سوريا إلى العالم العربي” أكدت فيها أن دمج التوحديين في المدرسة «ليس هدفاً للتعليم، وإنما وسيلة لمساعدتهم على الاندماج في حياة مجتمعهم على نحو أفضل لدى بلوغهم سن الرشد».

تقول أم صالح، المقيمة في مدينة اللاذقية لـ سوريتنا «أنا لا أثق بوضع ابني في صف يحوي أكثر من 45 طفلاً مختلفي الطباع والتصرفات، إضافة إلى أن المعلمة لا تستطيع أن تهتم به بشكل خاص، ولا تستطيع أن تسيطر على ردة فعله التي قد تكون عنيفة في بعض الأحيان».

وروت أم صالح عن طفل إحدى صديقاتها الذي يعاني من التوحد وكان يواظب في مدرسة حكومية أنه المعلمة تعنفه باستمرار، بحجة أنه لا يحسن التصرف مع أصدقائه، كما أنها أشارت إلى الأهل بأنها غير مسؤولة عن ولدهم داخل الصف.

 “التوحد للأغنياء! أطفال المخيمات يعانون الجوع”

في مخيمات صغيرة ونائية كمخيم الجزيرة الواقع شرقي سرمدا بريف إدلب، ومخيم كفتين قرب قرية كفتين، ومخيم الإسمنت بالقرب من باتبو، وغيرها، تعاني جميعها من قلة وضعف الخدمات ونقص في مستلزمات الحياة الأساسية، ليجيب مدير مخيم الإسمنت، لدى سؤاله: هل الأطفال المصابون بالتوحد في مخيمه بالقول: «قبل أن تسألوا عن المرض.. اسألوا هل هم جائعون ويتوفر لديهم الخبز؟!».

في مخيمات الجزيرة وكفتين والإسمنت يوجد 156 طفلاً تحت سن الخمس سنوات، وأكد بديع الأبرص، المتطوع والمختص بالعلاج السلوكي للأطفال في منظمة البنفسج، وجود حالات من التوحد والاكتئاب، وقال: «الجهل بالمرض ورفض الأهل التعاون هو أهم أسباب عدم توثيق الحالات وعلاجها، وهناك حالات محددة لأطفال تواصلنا معهم، ويرجّح إصابتهم بتوحد وانعزال تام عن الجميع».

يذكر أن جميع المخيمات المذكور خرجت من مناطقها بحلب وريفها تحت ظروف قاسية، وتسكن حوالي 70 عائلة على أرض مساحتها 150 دونماً. يقول علي الجدعان، وهو أحد النازحين من ريف حلب، لدى سؤاله عن الأطفال التوحديين بالقول «أطفالنا يلعبون معاً كل اليوم خارج الخيم، فكيف يصابون بمثل هذه الأمراض؟!».

 الولايات المتحدة الأمريكية تحتل الصدارة في اضطرابات طيف التوحد

أوضحت إحصاءات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أن هناك طفلاً واحداً من بين 88 طفلاً أمريكياً مصابٌ بالتوحد، وينتشر بشكل أكبر لدى الأولاد مقارنة بالفتيات، بمعدل 4 – 5 مرات، وأشارت الإحصاءات إلى أن معدلات الانتشار في العالم تزداد من 10 % إلى 17 % سنويا وخاصة في السنوات الأخيرة.

أما عن باقي بلدان العالم، فلا توجد نسب دقيقة، فمثلاً أعلنت الصين، في إحصائية لها نشرت العام 2008، أن نسبة انتشار طيف التوحد 16 لكل 1000 من الأطفال تحت عمر 15 سنة، أما في الوطن العربي، فتشير أحدث التقارير إلى أن معدلات انتشار اضطراب التوحد تتراوح ما بين 14 حالة بين كل 10 آلاف طفل في عُمان، و29 حالة بين كل 10 آلاف طفل في الإمارات العربية المتحدة، وفي باقي الدول العربية لا تتوفر إحصاءات دقيقة.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسات العالمية تظهر ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الأطفال الذين تمّ تشخيصهم. فعام 2000، كانت النسبة واحد لكل 150 طفلاً. وبحسب آخر الدراسات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية CDC عام 2010، ارتفعت النسبة إلى واحد لكل 68 طفلاً.

 نجوم توحديون

أبو حيان التوحدي: والذي يعتبر واحداً من أكثر الفلاسفة والأدباء الذين أثروا في عصرهم في شتى أنواع العلوم والآداب، كان يعاني من اضطراب التوحد.

مناهل ثابت: أول سيدة عربية تدخل موسوعة العباقرة في عام 2013 ممثلة عن قارة آسيا، وتحولت من فتاة صغيرة تعاني التوحد إلى واحدة من أذكى النساء في العالم، ففي عمر الخمس سنوات كانت صامتة ووصفت بالبكماء، درست الاقتصاد وتخرجت في الجامعة وحصلت على الدكتوراه مرتين في الثامنة والعشرين باختصاص رياضيات الكم، وعلمياً تبنت مؤسسات عالمية عدة النظريات اخترعتها في مجال الفضاء لقياس المجرات الكونية.

حياة شرارة: وهي كاتبة وروائية عراقية مشهورة، عانت من اضطرابات نفسية تشبه إلى حد كبير أعراض التوحد.

فان غوغ: وهو رسام هولندي، مصنف كأحد أشهر فناني الانطباعية، تتضمن رسومه بعضاً من أكثر القطع الفنية شهرة وأغلاها ثمناً في العالم، وقد كان يعاني من اضطرابات التوحد.

بيل جيتس: أثبت الفحوصات الطبية أن مؤسس شركة مايكروسوفت وإمبراطور الكمبيوتر، يعاني من أحد أطياف التوحد، وكان في طفولته فضولياً وغريب الأطوار.

ألبرت أينشتاين: وهو العالم الذي طور النظرية النسبية، ويعد أذكى رجال القرن، يعاني من متلازمة “أسبيرجر”، وهي أدنى درجة من التوحد، الذي لا يؤدي إلى صعوبات في التعلم، وكان منعزلاً يكرر الجمل بهوس حتى سن السابعة، وعندما أصبح يافعاً كان يلقي محاضرات صعبة الفهم وكان يسمى الأستاذ غائب العقل.

إسحاق نيوتن: أجمع المؤرخون على أن نيوتن الذي صاغ قوانين الحركة وقانون الجذب العام التي سيطرت على رؤية العلماء كان يعاني من صفات توحدية.

 راما وصالح سيصبحان بخير

ما إن تسمع راما التوحدية صوت صافرة الإنذار في مدينة إدلب، حتى تركض نحو أخيها الصغير ممسكة به من رأسه، تسحبه إلى صدرها لدرجة تجعله يخاف منها،. راما ذات السنوات السبع، تدخل بحالة هستيرية شديدة في لحظة القصف، وتحاول حماية أخيها بالضغط برأسه إلى صدرها.

يقول والد راما: «خلال السنة الماضية استطعنا اكتشاف ما تحاول إيصاله لنا راما من تصرفاتها، قد تعتقد أنها بهذه التصرفات تؤذي أخاها، إلا أنها في الحقيقة تحاول حمايته وتخبئته في صدرها».

لم يستطع والدها وضعها في مركز يهتم بالتوحديين، فهو يرى أن المراكز غير المتخصصة تضر لا تنفع، فحالات التوحد تحتاج إلى مختصين عالي المعرفة، وهؤلاء لا يتوفرون بسبب تصاعد العمليات العسكرية والقصف المستمر على المدينة.

يتابع والد راما: «اكتسبت خبرتي في التعامل مع طفلتي منها أولاً، ومن خلال بحثي على الإنترنت، أقرأ كل ما يخص التوحد، أحلله وأراقب ابنتي، أجد ما هو صحيح وأتابع به معها، وما ترفضه ولا تستجيب له أبتعد عنه».

ينظر إليها وهي تدور في مكانها ويقول: «تدور هكذا حين تشعر بالضجر، وكأنها تحاول أن تنعزل عمن حولها»، يقترب الأب من بنته، يحتضنها ويهمس كلمات في أذنها، تغمره بقوة وهي تغرز يديها في عينيه وتقبله من رأسها، يمسك يدها ويمشي بها بعيداً».

تبدأ أمها بالبكاء، تقول بصوت مخنوق «أخاف على ابنتي، ويجب علينا التحلي بالصبر وتقبل الواقع»، رفضت المدارس الخاصة استقبال راما خوفاً من ردات فعلها، إلا أن والدها ووالدتها يتناوبان على تعليمها، وجلبا لها مدرّسة إلى المنزل، ويشترط والدها على المدرسة ألا يكون تلقينها للحروف والأرقام جافاً أو على الورق فقط، بل يشترط أن تكون تفاعلية كي لا تشعر راما بالملل أو ترفض تلقى التعليم.

لا تنام راما إلا في حضن والدها، يغمرها بحب كبير ويهمس لها في أذنها كل يوم «ستصبحين بخير يا راما.. أنا متأكد».

صالح التوحدي

«أن يكون ابنك البكر توحدياً فهنا تكون أمام تحدٍّ كبير، وعليك أن تعرف كيف تتعامل مع طفل بحاجة إلى عناية مضاعفة واهتمام ومراقبه لجميع تصرفاته». تبدأ أم صالح بسرد حكايتها مع طفلها صالح، البالغ من العمر عشر سنوات، والذي يعاني من أحد أطياف التوحد.

في سنواته الأولى، لم تستطع أم صالح أن تفهم تصرفاته وسبب بكائه المستمر، وفي سنته الثانية بدأت تلمس اختلافه عن أقرانه، فذهبت تبحث مع الأطباء عن حالة ابنها. تقول «لدى زيارة كل طبيب، يصف لي قائمة طويلة من الأدوية، وعدداً من التحاليل والأشعة، وفي كل مرة لا تجد أي تشخيص واضح، ويصاب صالح بالتعب أو ينام ساعات طويلة نتيجة للأدوية».

في عمر الخمس سنوات سمعت أم صالح عن طبيب في مدينة اللاذقية، ذهبت إليه، وبعد معاينته أمسكها الطبيب من يدها وهزها بقوة قائلاً «ما الذي فعلتِ بجوهرتك؟ لو اهتممتِ به قليلاً فقط لأصبح أحد العلماء والنوابغ».

لشدة ذهولها، جلست أم صالح مصدومة، تحدث الطبيب لساعة عن التوحد، ومنعها عن إعطاء أي دواء سوء بعض الفيتامينات، وطلب منها التوجه إلى إحدى الجمعيات التي تعتني بمرضى التوحد. تقول أم صالح «منذ ذلك اليوم، كان أمامي تحدٍ كبير لمساعدة ولدي صالح ومساعدة نفسي، ابني ليس أقل جمالاً وذكاءً عن غيره من الأطفال، هو فقط يحتاج إلى معاملة خاصة». 

بدأت أم صالح تقرأ عن التوحد، وتسجل خطوات صالح ومراحل نموه، وبدأت بالتواصل مع العديد من الجمعيات للتعرف على أطفال مصابين بالتوحد في مدينة إدلب، تقول: «سمعت أن أطفال التوحد يتواصلون بشكل جيد فيما بينهم، كما أود أن أعرف كيف تتعامل أمهاتهم معهم، أتمنى الاستفادة من خبرة أي أم، أو أن أعطي خبرتي مع طفلي لمن يحتاجها».

صالح يحب الألغاز، ولديه العديد من المواهب المميزة، فهو يصغي جيداً، ويحفظ الأرقام، ويستطيع حل لغز متاهة الخطوط بسرعة كبيرة. تقول أم صالح «حين يعود من المدرسة يخرج كتبه، ويطلب مني أن أقرأ له، يستمع ويستمر بالهز، وكأنه يتابع ويحفظ ما أقول بصمت»، لا يعطي صالح لأمه أي مؤشر على أنه يفهم أو يحفظ، يبقى شارداً كل وقت قراءة أمه للدرس، لكنه يفاجئها عندما يثبت أنه فهم الدرس وحفظه في وقت لاحق. تقول «عندما يستيقظ صالح من النوم، يعيد ما سمعه في اليوم السابق، ومن هنا تعلمت أن أستمع إليه فجراً قبل ذهابه إلى المدرسة».

استمر صالح بالتحسن، وإثبات قدراته وذكائه الملحوظ ومنافسة الأطفال الأصحاء حتى خروج مدينة إدلب عن سيطرة النظام، ومع تصاعد العمليات العسكرية وغارات الطيران، دخل صالح في حالات هستيرية من الخوف التي لم تستطع أمه السيطرة عليها، وكان من الصعب على والدته منعه من ضرب رأسه بالحائط عند سماعة لصوت الطائرة وهي تهوي بصواريخها على المدينة، فلم يكن من حل لها سوى ترك المدينة واللجوء مع ولدها إلى ألمانيا.

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...