جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

رسول الموت شرقاً وغرباً

0

 على راحة يدي كتب خالد (27 عاماً) أسماء الأحياء وأرقام هواتف ذويه، وعلى جلد معدتي رسم أبو محمد (35 عاماً) أسماء وأرقام من قضوا تحت التعذيب أو من شدة الإعياء، الحبر قليل في القلم، وأبو محمد كان يعمل حداداً، ويستخدم ذات اليد في الكتابة وتطويع الفولاذ، يكتب بحماس وبسرعة، والقلم يسير بعمق على جسدي لتأكيد الحروف والأرقام بخط كبير.

حُدد جدول زياراتي الأولى خارج المعتقل بشكل دقيق من زملاء الزنازين، منذ ألمح لي الضابط أنني سأغادر إثر “واسطة”، لم يكن أمام المعتقلين من وقت للحقد عليّ، أو محاسبتي على وجود قريب لي يتعامل مع النظام سيخرجني من هنا أخيراً، فالوقت كل الوقت الآن لإيصال الأخبار للأهل وحمل الوصايا.

 الخروج

غادرت الفرع، أو طردت منه، في الواحدة والنصف ليلاً، الطرقات كما تركتها قبل ثمانية أشهر، خالية والتحرك فيها خطر، لا مواصلات الآن، لا مال معي ولا هاتف، أصوات الاشتباكات على أطراف الغوطة القريبة قوية للغاية ومتواصلة، علمت لاحقاً أن برزة كانت تشوى تلك الليلة، أرعبتني دمشق، فقد شاهدت جميع أبنيتها مراكز اعتقال.

رائحتي وشعري وذقني وما أرتديه وما لا أرتديه من ملابس، يثير القرف والشكوك لكل من يراني، ماذا أقول إذا أوقفني حاجز ما؟ كنت في المعتقل! سيعتقلني من جديد ويأخذني إلى فرع آخر، لكن أين أذهب؟ منزل أهلي بعيد في ريف دمشق، ومشاهدتهم لي بهذه الهيئة وفي هذا الوقت، كفيلة بأن تنهي ما تبقى من عقولهم.

تذكرت منزل صديق بالقرب من الفرع لم أزره منذ زمن، فكان مقصدي سيراً على الأقدام، فالسيارة الوحيدة التي أشرت لها وتوقفت، خاف سائقها وفرَ مسرعاً.

التطهر والغُسل

لا أعرف إن كان الاستحمام بعد حرمان منه لشهور مفيداً حقاً، فأنت تدرك من لون الماء على الأرض، حجم القذارة على جسدك، فيما تُحبطُ حين تفهمُ أن اللون الغريب على بعض تضاريس جسمك، لا يزول بالماء والصابون، هو راسخ فيك، ولا تشبع من لهو الماء عليك.

مشتاقٌ للمرحاض، وكذلك الحنفية والصابونة والليفة، فرِحٌ بمغادرة جسدي للمعتقل، لكن ذهني لا يزال معتقلاً بعض الشيء، أقسم أني لمحتُ خوفي من الزنزانة يستحم معي، ويطلب مني أن أفرك له ظهره.

أنا أهذي، يُجهز صديقي طعاماً على عجل، ويجود بما لديه ولدى الجيران، بعد أن كنتُ قد تعريت أمامه قبل الحمام، وطلبت منه نقل كل الأرقام والأسماء بحرص، ومن دون خلط بين الموتى والأحياء.

يبدو الطعام ترفاً غير مستحق، والنوم بمساحة تسمح ليدي بالابتعاد عن خاصرتي، رفاهية لها اشتياق.

الدعوة شرقاً

في الدويلة، فتحت لي الباب أم وائل، سيدة في الخمسين، نظرت إلي وقالت بصوت ثابت الذبذبات، “نعم؟”، هكذا ردت على “مرحبا خالة”، ولم يتغير ذلك التعبير الشرس والعتيق على وجهها، حين أبلغتها أني رسول من ابنها وائل، الذي توفي تحت التعذيب.

أدخلتني وحضرت لي القهوة، بحثت في غرفة المعيشة عن صورة لوائل فلم أجد، جلست أم وائل وشبكت أصابع كفيها ببعضها، سندت ظهرها بهدوء، ثم قلبت نظرها بين عينيَ وشفتي قبل أن تستقر عيناها على فمي، بدا وكأنه أمرٌ بأن أبدأ بالكلام.

فبدأت أسرد ما كان وائل يفعله في المعتقل، وصفت شكل أيامه الأخيرة بالتفصيل، تحدثت بلا توقف، مررت على كل دقيقة عرفته بها، فيما لا تزال أمه تتابع انقباضات فمي ولا تسألني أبداً، لم أستطع إخفاء أي تفصيل أمام قوتها، كأنها كانت تعلم أنني ربما سأُجمل الحكاية، فقررت إرهابي ونجحت، لم أخفِ صراخ ابنها، ولم أنكر أي جزء من عذاباته.

كنت أتحدث منتظراً الدمع من عينيها، لكنهما لا زالتا على حالهما منذ فتحت لي الباب، حتى التهدجُ في صوتي، لم يفلح في سكب دمعة من عينيها، تلوت لها شهقته الأخيرة، واللحظة التي تحول فيها إلى جثة على بعد بلاطة واحدة مني، عيناه تنظران ولا تنظران، جثة سحبها السجانون لخارج الزنزانة من قدميها وأغلقوا الباب.

أخيراً صمتُّ منهياً ما لدي بشعور مذنبٍ يقدم الاعتراف، أرتفع نظر أم وائل مغادراً فمي وماراً عبر وجهي ليستقر تماماً في عيني، جسدها بلا أي حركة، وصوتها يسير إلى أذني بلا أي تردد، لتقول “الحمد الله..”، وتذكرني بالقهوة أن أشربها.

ظننت أن المهمة انتهت، وأن وصية ابنها قد وصلت، فرفعت رأسها تأملت السقف، رمقت باب الغرفة ثم نظرت إلى كفيها وقد تركتهما في حضنها وسألتني: “هل عانقت وائل في المعتقل؟”، كنت قد عانقت جثته بعد استشهاده، حضنتها بشدة، ففي المعتقل تكون مشتاقاً للموت ربما، أجبتها “نعم”، فقالت لي “قف”، وقفتُ دون شعور، غادرت أم وائل جلستها، وقفت مقابلي ثم حضنتني، كانت ذراعاها تلتقيان في منتصف ظهري، حين ضربت دمعتها عنقي، إنها أمي الآن وأنا وائل، رأسها خلف رأسي وتردد “الحمد لله.. الحمد لله”.

الدعوة غرباً

طرقت الباب في صحنايا، ففتح شقيق خالد وعرف على الفور أنني أنا الذي اتصلت بالأمس، كانت العائلة بانتظاري، الأم والأب والأخوة، أجلسوني في صدر الغرفة، في المنزل الذي تحول إلى مركز إيواء مع أقارب دفعتهم الحرب لمشاطرتهم المنزل، طرد الأب الأطفال خارجاً، وبدأتُ السرد.

الأفضل أن أبدأ بالحديث قبل أن أسأل، فهكذا أتحكم بالبداية على الأقل، أقول خالد بخير، فتمطرني أم خالد بألف سؤال يصلح لمسافر لا لمعتقل، “أكل خالد؟ نوم خالد؟ شرب خالد؟ دفئ خالد؟..”.

كان تعذيب خالد لا يتوقف، ولا أعلم إن كان سيخرج حياً، مما يجعل دائرة المناورة والتطمين تخنقني أكثر، لكنني أستمر في بيع ما أعطاني خالد من وصايا، لا تُهمة عليه كما يعلم كل ضباط التحقيق، ناكراً أن لخالد جرأة على كل سجان، ولسان لاذع يجعل الضرب حليفاً دائماً لبدنه، لسان اكتسبه من والده الذي يجبرني على الاعتراف، “كيف يعني عم ياكل ويضحك؟”، لا يصدقني والد خالد، كفه على خده يُكذّبُ ما أختزلُ وأبتكر، بينما أركز أنا على الاستثمار في والدة خالد.

مذهلات هن الأمهات، يصدقن أكاذيبي ويفرحن بها، تطمئن الأم، تدعو لخالد ولا تنساني من بعض الدعاء، يرافقني والد خالد إلى باب المنزل، وحين أهم بالخروج يلتقط ذراعي ويسحبني كسجان، ويسأل: “عمو.. ابني عايش لما ميت؟ قلي ما بقول لأمو”، أنظر في عينيه ببرود، مطلقاً نظرية لا تقبل النقد، “أنا كنت هناك وخرجت، خالد حي وسيخرج أيضاً”.

حررت كفه ذراعي، ولا أعلم هل أفلحت في بيعه هذا التأكيد أم لا، ما إن أسمع إغلاق الباب خلفي، حتى أبصق على نفسي وأتابع السير إلى منزل جديد، أكون فيه لنصف ساعة ولداً لأم جديدة تبحث عن ابنها في وجهي فتجده.

وصايا الرسول

الأمهات أكثر قلقاً، لكنهن الأكثر تصديقاً للكذبات، تستطيع أن تنسج لهن من البطولات والمغامرات، ما لا تصدقه إلا أم لها قلب يحترق، بعض الآباء كذلك، وبعضهم يشبه الجرّاح، أو المحقق الخبير الذي يُكثر من الأسئلة، الأخوات كثيرات البكاء، يَرين في الرسول أخاً لا غريباً، الأخوة يتحولون سريعاً ومن دون إذنك إلى أصدقاء، ويعتبرون أنك ستخبرهم ما أخفيته عن الأم والأب، وحين تسرد نبأ الموت، يتكرر ذات المشهد في كل بيت، كل العيون تبكي لكن بالتتابع.

النساء يرافق دمعهنّ صراخ حاد عميق ومتواصل، الرجال غضبٌ ثم حركاتُ جسدٍ ثم سكينة، نادراً ما تتمكن من رؤية الدمع في مُقل الرجال، يردد الجميع صغاراً وكباراً شتائم للقاتل، تتحول الغرفة لساحة تظاهر، يطول سماع كلام التَرَحم على الراحل، الجميع لا يفهمون الخبر من المرة الأولى، تحتاج أن تكرر العبارة، وتقول: “استشهد”.

يجب أن أضع كل ثقتي لحظة نطق الكلمة، أعقد جبيني، أجمد عضلات وجهي، أخرج القرار في صوتي، أي تردد يعني تكراراً أكثر.

أقولها ثم أنصرف من تلقاء نفسي، لا أحد يراني بعد أن أعلن خبر الموت، فقد وصلت رسالتي، رسالة رسول الموت.

تعليقات
Loading...