جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

شهادة الشهادة وقبلة العيادة وآخر السعادة

0

داليا الحمصي 

كلنا للوطن

في عام 2011 وقف وانتفض وقال بأعلى صوته “كلنا للوطن”.

فرحت أمه ونام والده قرير العين، شعر الجميع أن هذا الشبل سيكون ابناً لذاك الأسد، منذ الصباح أغلق دكانه، ولصق على بابها ورقة كتب عليها “مغلق حتى انتهاء خدمة الوطن وقائد الوطن”، والتحق بالخدمة الاحتياطية في الجيش، فخوراً مقداماً شهماً.

بعد شهرين عاد جثمانه ملفوفاً بالعلم الوطني، يحمله أربعة عناصر، يتقدمهم مساعد ذو كرش، يكرر جملة يبدو أنه ملّ تكرارها في الشهرين الأخيرين، «كان بطلاً، واليوم عريساً شهيداً، وهذه شهادة الشهادة، وقبلة العيادة، وآخر السعادة».

عبود البطل

تكرر المشهد في كل بيت في القرية، كلُّ من بارك له في الأمس، مات بعد أشهر أو سنوات، إلا عبود، ظل حياً رغم كل ما خاضه من معارك، في الجنوب والشمال وفي الوسط، وبات حلماً لكل صبايا الضيعة، يردنه عريساً يقاوم الموت.

عبود، فضلاً عن أنه لا يموت، كان قصيراً، سميناً، خبيثاً، ومثقفاً وطنياً، في كل إجازة، كان يسامر عجائز القرية، اللواتي يرين فيه معجزة حية أكثر صدقاً من التلفزيون الرسمي.

في إحدى سهرات السمر تلك، قال عبود «مئات المسلحين انقضوا علينا، سعوديون وأتراك، وصوماليون، وفرنسيون، وأردنيون»، يقاطعه عجوز بالقول “ويليييييي”، يشعر عبود أن القصة مقنعة رغم أنه لم يبدأ بها بعد، فيتابع: «زرافات من المسلحين توجهوا نحونا، كنا قلة لكن رجال، فكرت أن علي أن أقتل منهم الكثير، ثم.. »، يقاطعه العجوز آخر “ويليييييييي”.

يتابع عبود بلا توقف: «بدأت القصف بـ آر بي جي، ثم تحولت إلى الدوشكا ثم الشيلكا، ثم نصبت الهاون عيار 190 وسددت ورميت.. ».

أمسيات عبود البطولية استمرت كلما حصل على إجازة، والقرية باتت بيت عزاء كبير ومستمر، العلم الملفوف والمساعد ذو الكرش لم يعودا يغادران القرية، حتى إن المساعد استأجر منزلاً بالقرب من القرية التي يزورها كل يوم، ويردد الجملة ذاتها ويقراً الفاتحة، أصبح اسمه الغراب بين نساء القرية، التي ماتزال تشارك بالفعل الوطني ضد المسلحين القادمين من كل مكان في العالم، ولا تزال تصغي لعبود الذي لم يحبط أبداً رغم كل الهزائم.

عبود يبكي والقائد يشعر بالفخر

بالقرب من العاصمة دمشق، وجد عبود نفسه ذات ليلة وجهاً لوجه وللمرة الأولى مع مسلحين، علق مع عشرات غيره في كمين، قيل إن الضابط المباشر قد تسبب به، كانت كل ملابسه قد تلوثت بالطين، عيناه تدمعان، ويفكر بالمساعد الذي سيقرأ لأمه القصيدة ذاتها، التي كتبها على عجل منذ وصلت الجثة الأولى إلى القرية، شعر في تلك اللحظة أنه لا بد من فعل شيء بطولي، عبود كان يبكي، ومن خلفه كان رفيقه يبكي أيضاً، ومن خلفهما القائد يشعر بالفخر، فقد استشهدت كتيبة كاملة في سبيل الوطن، لكنه كان يفكر، كيف ستجري مراسم العزاء لكل هؤلاء، وهناك أكثر من مئة مجلس عزاء في ليلة واحدة، من خلف القائد كان صاحب المطبعة يرتعد، كيف سنطبع كل هذه النعوات بالسرعة المطلوبة؟!، فيما يضحك صاحب مكتب الإعلانات، سيصنع لوحات كثيرة فيها صور القائد، وأبو القائد، والجثامين التي تموت الآن.

انتظر لساعتين، حتى أدرك أن الموت قريباً جداً، كان بعض المنتظرين قد حاولوا الهرب من الحفرة لكنهم قُنصوا، كان القناص البعيد يضحك ملء فمه مع كل جثة جديدة يسجلها، المصور من خلفه فخور بالمادة التي سيبثها بعد قليل، ويمعن في التفكير، هل يبثها من تلقاء نفسه، أم يبيعها لقناة ما، القائد خلف المصور، والقناص يشعر بالفخر، فقد سجل نجاحاً في زمن الهزائم.

استمر بكاء عبود، لكن فجأة وصلت المؤازرة، طيران الأصدقاء بدأ بقصف المنطقة، أحرق كل شيء، إلا تلك الحفرة التي كان عبود متكوراً فيها، يبكي ويغرق في ماء فلت منه.

بثَّ التلفزيون تلك الليلة خبر النصر الكبير في تحرير المحاصرين، وفرح الجميع، فقد مات مئة وعاش عشرون، بينهم عبود.

الوحيد الذي لم يكن سعيداً تلك الليلة، هو وزير المالية، إذ عليه أن يدفع الآن أكثر من مليون ليرة، لذوي الشهداء، “من أين؟”، صاح بمساعده، “كيف نؤمن المبلغ؟”، المساعد وجد الحل سريعاً، لندفعها معلبات ومواد غذائية، أعجبت الفكرة الوزير، وأمر بتطبيقها فوراً.

مرتديلا وسردين

كان عبود يتعافى في القرية، حين وصل التلفزيون، مع مذيعة ترتدي البزَّة العسكرية، صبغت شعرها باللون الأصفر، وارتدت سروالاً ضيقاً للغاية، جالت به القرية التي خسرت سبعةً من شبانها، وفاز منها عبود منتصراً بهياً، يتبعها أربعة عناصر يحملون أربعة أكياس سوداء كبيرة، كلما دخلت منزلاً نقص من الأكياس شيء ما، حتى وصلت إلى منزل عبود، فاستقبلتها أمه بالزغاريد والأهازيج، دخلت إلى صالون المنزل الكبير حيث تمدَّد عبود، حين شاهدها انتصب وألقى التحية العسكرية، ثم ارتبك، لكن المصور التقط الصورة، ولم يعد من الممكن محوها الآن.

قالت المذيعة وهي توجه الميكرفون لعبود: “القيادة تكرم البطولة والأبطال، وأنصاف الأحياء وبعض الميتين، وقلة من الحالمين، وتحب المواطنين”، ثم استدارت باتجاه العناصر الأربعة، وأخرجت من الكيس الأسود ثلاث علب من المرتديلا، وعلبتين من السردين، ووجهت يدها نحو عبود، الذي وقف مندهشاً مما في الكيس، قال: “هو واجبنا النضالي الكبير وحبنا للوطن، والله لو أن..”، قاطعته أمه: “ويلللي أنا ويلي”!، تابع عبود لظنه أن أمه تثني عليه: “إن الوطن إن طلبَ لبَّينا وإن سأل..”، قاطعته المذيعة “شكراً يا بطل!”.

خرجت المذيعة مسرعة فالجولة لم تنتهِ بعد، تركت عبود في منتصف خطابه، لكنه لم يحزن على ذلك، فكان قد أعده سريعاً، ولم يتح له الوقت انتقاء عباراته واختيار كلماته، وظل يراقب علب المرتديلا والسردين، حتى سمع صوت أمه من جديد: “ويلي يا ويليييي”.

لم يعرْ أيَّ اهتمام لأمه التي كانت تصرخ من جلطة مفاجئة، صار يفكر كيف سيعرض العلب في الصالون كي يراها الزوار، أيةَ زاوية سيختار وأيةَ إضاءة سيسلط عليها.

في الصباح، كانت أم عبود تشيَّع إلى مثواها الأخير، عبود يبكي، ويشهق، والنساء في القرية يرددن عبارات الحسد لها، ماتت قبله، وهو ما تمنته كل واحدة منهن، أن تموت قبل أن يزورها المساعد في المساء.

انتهى مجلس العزاء، وأغلق عبود الأبواب، في الحقيقة كان جائعاً أكثر منه حزيناً، نظر إلى علب المرتديلا والسردين، فسولت له نفسه أن يقدمها لنفسه على العشاء، أكل ونام.

تعليقات
Loading...