جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

عندما اشتريت جوربي من أستاذي

0

قتيبة ياسين

كيف تستطيع أن تستعبد شعباً؟ فقط جهّله واحرمه من التعليم!

قم ببناء المدارس واجعل التعليم إلزامياً، لكن ضع في كل صف 50 طالباً، ولا تطبق قانون إلزامية التعليم.

أهمل المعلم واعمل على إذلاله في لقمة عيشه، ثم اكتب على جدار مدرسته عبارة “قم للمعلم ووفّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا”، اكتبها تحت صورة في إطار قديم للقائد المخلّد على الجدار بصورة لا يجرؤ أحد على استبدالها بأخرى، أو حتى مسح الغبار الذي عشش داخل إطارها.

لو نظرت لما فعله الأسد بإهمال المعلم وإذلاله لرأيت شعباً يقيس العلم بمقياس راتب ابنه بعد تدريسه!

أتذكّر أستاذي في مدرستي الإعدادية الذي كان يبيع الجوارب في سوقٍ للخضار قريب من المدرسة التي يعمل فيها مربياً للأجيال، كان يذهب بعد الدوام الصباحي ليفرش بسطته في ذلك السوق وفي الدوام المسائي كان يفرشها قبل الظهر، العطلة الاسبوعية “الجمعة”، هي الوحيدة التي كان يعمل فيها النهار.

اعتادت أمي على اصطحابي للسوق لشراء حاجياتنا، وفي كل مرة كنت أنجح في منعها من الوصول إلى بسطته، إلا في هذه المرة لم أستطع منعها من شراء الجوارب منه رغم إصراري على رغبتي بالشراء من مكان آخر، لم أستطع أن أشرح لها أنني أتحاشى النظر في عينيه احتراماً له وخجلاً من إحراجه أمام تلميذه، صعقني حينها بردة فعله أنه عرفني من بين كل تلاميذه، ومسح على رأسي بيده، وذكّرني بموعد الامتحان الذي كان قد أقره لنا.

إنها سوريا الأسد التي كان فيها بائع البطاطا في سوق الخضار وصانع الأحذية “القندرجي” يصل معاشهما لأضعاف ما يصل إليه معاش الأستاذ الذي يضطر لأعمال أخرى تجعله لا يهتم بالتعليم، فلا يهتم الطالب بأن يصبح مثله، بل إن الطالب يعمل على ألّا يكون مثله في يوم ما.

تغيّب أحد زملائي في الصف لفترة وعندما صادفته في الشارع أخبرني بأنه يتعلم اليوم مهنة “مصلحة” وأنه لن يدرس سنين طويلة ليبيع في النهاية على بسطة في السوق، فهمت إشارته تلك للأستاذ وفهمت ايضاً أنه كلام والده وهو الآن يكرره لي، لقد كان يداوم في ورشة الخياطة بدل أن يداوم في المدرسة، شيئاً فشيئاً أصبح الأمر الطبيعي أن يترك الطفل مدرسته ويتعلم “مصلحة” ويتلقى مرتباً كمرتب الأستاذ بعد عدة شهور من إتقانه للصنعة بشكل أولي وهو لايزال طفلاً، على صغر سني كنت قد أغريت بالنقود التي يقبضها أصدقائي في ورشهم كل أسبوع بل وكنت أفكّر بشكل جدي بالانضمام لهم، ولم أكن وحدي من يفكر كذلك بل إن 90 % من الطلاب كان هذا حلمهم.

اليوم وبعد كل تلك السنين وأنا أرى عمالة الأطفال في دول الجوار التي لجأ إليها السوريون، ومع علمي أن الخطاب الشائع يقول إن الحرب ولّدت ظاهرة عمالة الأطفال، لكنني في سر ذاتي أقر أنها ليست أمراً عارضاً في سوريا بل هي أشبه بطريقة عيش في بلاد الأسد، صنعها خلال عقود من حكمه ليحكم شعباً عمل على تجهيله وهدم قيمه التي كانت موجودة قبل وجود الأسد.

أذكر مرة أنني استقليت سيارة أجرة “تكسي” في مدينة حلب ففوجئت بعد تفرس طويل في وجه السائق أنه كان أستاذي في المرحلة الابتدائية، تلافيت إخباره بذلك كي لا أحرجه مع إيقاني أنه ليس بأمر محرج بل إن عمله كان عز وكرامة، أردت إخباره حينها أنني أصبحت في الجامعة وأتهيأ لأصبح أستاذاً مثله، لكنني لم أخبره واكتفيت بالنظر لشيبة لحيته التي كان يحلقها فيما مضى، اكتفيت بالنظر إليها وأنا أشاهدها لأول مرة، شيبة بيضاء أرهقتها السنون وتركتها دون تشذيب، حين تعطي أجرة التاكسي لأستاذك وتترك له الباقي بخشيشاً فأنت في سوريا الأسد، وحين تشتري جوربك من أستاذك فأنت في سوريا الأسد.

تعليقات
Loading...