جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

غرفة المونة

0

فادي جومر

أدرك الانسان السوري منذ عدة قرون، أن الحياة أوسع بكثير من اللحظة التي يعيشها، وأن تنوع الموارد المذهل في بلاده الصغيرة، لن يكون كافياً ليمنحه كل وسائل النجاة، في مواجهة الطبيعة وتقلباتها ومزاجها الحاد.

كما دفعه شغفه الفطري بالترفيه عن ذاته، إلى ابتكار عشرات الطرق العبقرية لحفظ أغلب أنواع المنتجات الغذائية، قبل تقنيات التبريد والتجميد والتعليب بقرون، لتكون متوفرة في غير مواسمها، فجفف الخضار والفواكه والحبوب، وخللها، وصنع عشرات المربيات، وملّح اللحوم وقددها وحفظها في الدهن، بل حتى أنه ابتكر طرقاً لحفظ اللبن الرائب، فاخترع الكشك والجميد.

ومع الزمن، طور السوري تقنياته مضيفاً لمسات ساحرة، لتصير الأطباق التي ظهرت في بداية الأمر كحاجة وضرورة: رفاهية ومزاجاً عاليين.

المادة ليست عن المطبخ السوري، وإن كنت أتمنى الكتابة عنه يوماً كما يستحق، بل هي عن عقلية “المونة”، العقلية التي أمدت المدن والحضارة السورية بأسباب البقاء المرفَّه، في مواجهة مواسم شح تنوع الموارد.

تبدو حكاية الحلم السوري اليوم، في أواخرها، ويقف من تنطعوا لتمثيل جراحنا وآمالنا، كالدمى بين يدي نظام دولي لاأخلاقي، وفي مواجهة نظام الأسد المنتشي بانتصاراتها على أطفال بلاده، ولا أجد نفسي محتاجاً لسوق البراهين على انتهاء هذه البداية بخيبة ثقيلة، ولا على إيماني العميق بأن هذا الزلزال الذي خلخل النظام الحاكم في دمشق، سيكون له ما يليه من زلازل وعواصف، ما يعنيني هنا هو “مونة” السوريين في السنوات العجاف المقبلة.

قد تحتاج القضايا الواضحة عودةً إلى بديهيات يبدو الحديث فيها مملاً، لكن إغفالها: كارثة تفتح الأبواب لعشرات الكوارث.

بديهيّة مثل: تحديد المشكلة هو أول خطوة في طريق الحل، قد تكون واضحة لدرجة أن شدة الظهور تولّد الخفاء، فيضيع سبب المشكلة ويصبح الحل مستحيلاً.

واليوم، وفي هذه اللحظة المرّة من الخيبة، لا بد من معرفة العدو، لتكون المعرفة أولى خطوات النصر، وهنا تظهر أهمية “المونة”.

تلقت الثورة عشرات الطعنات، وكان من الواضح أن الآلاف قد زُرعوا فيها ليخربوا ويشوهوا، كما انضم لها آلاف ممن خربوا وشوهوا، نتيجة جهل أو عمى بصيرة أو حقد قديم.

ربما لن يكون أمان السوري اليوم، في طريقه الطويل للبدء بمعركته القادمة، سوى فتح غرفة “مونة” ليخزّن فيها ما افتقده في معركته السابقة.

غضبه البارد المخمّر من كل من في النظام ومن فيه، أسماء كل كاتب ومغنٍ وممثل وموسيقي دعم النظام، كل الوجوه الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تبشّر بالتعايش ومسامحة الجناة ومؤيدهم، كل من نفخ في نار الطائفية، أيّة طائفية، كل من اتهم من يعادي المؤيدين بأنه طائفي، لحرف الصراع من صراع من أجل الحرية، إلى صراع من أجل مذهب أو دين.

في غرفة “المونة”: سجلوا أسماء من حرّض على نسيان أولى صرخات الثورة، أسماء من داسوا علمها أو شتموه، سجلوا أسماء من يتبادل الودّ والكؤوس والشراكة المهنية مع أعداء ثورتكم، احفظوا كل الوجوه الصفراء الحاقدة.

في غرفة “المونة”: خصصوا “نمليات” لتضعوا فيها مشاهد “الدراما”، التي جمعت من حسبتموهم أهلكم من أعدائكم.

خصصوا خزانة كبيرة لنجوم مرحلة “الصلحة”، ورواد المنابر التي تحدد الأجهزة الأمنية من سيقف عليها،

خزّنوا صور اللقاء الودودة التي تجمع من تحسبونه صديقاً مع أعدائكم.

احتفظوا بأسماء السياسيين والإعلاميين الذين ادعوا صداقتكم، ثم باعوكم في سوق الموت واللجوء والطائفية.

اهمسوا في آذان أطفالكم كلما أحبّوا شاعراً أو مغنياً أو ممثلاً حابى النظام أو حابى مؤيديه: إنهم كاذبون، سيقتلونك يا ولدي إن تنفست خارج حذاء سادتهم.

وتذكروا:

معرفة العدو هي أول خطوة في طريق النصر.

تعليقات
Loading...