جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

قدمي ولعبة أطفالي

“هي لعبه طفلتي.. وعكازي ” تضم أم شاهين رجلها البلاستكية إلى قدمها المبتورة، بعد أن تشاجرت مع ابنتها الصغيرة التي اعتادت أخذ رجلها واللعب بها، قدمها الحية فقدتها بداية آذار الماضي، أثناء قصف عنيف تعرضت له قريتها حاس في الريف الجنوبي لمدينة إدلب.

0


أماني العلي

“هي لعبه طفلتي.. وعكازي ” تضم أم شاهين رجلها البلاستكية إلى قدمها المبتورة، بعد أن تشاجرت مع ابنتها الصغيرة التي اعتادت أخذ رجلها واللعب بها، قدمها الحية فقدتها بداية آذار الماضي، أثناء قصف عنيف تعرضت له قريتها حاس في الريف الجنوبي لمدينة إدلب.

ترفع رجلها وتقف لتحضر القليل من السكر، تضيفها إلى كأسها علها تخفف مرارة حكايتها، تحرك السكر في كأس الشاي وتقول «في ذلك اليوم المشؤوم سمعت صوت سقوط القذيفة قرب مربط بقرتي، انتظرت ثواني وخرجت أحمل طفلي وأتفقد البقرة». البقرة كما تقول أم شاهين هي مصدر رزق لعائلتها المكونة من أطفالها الثلاث، وأصغرهم لم يبلغ السنة بعد، تبيع حليبها لمحال قريتها، وتصنع ما تبقى منها اللبن والجبن وبعض الأطعمة لأطفالها، «كل ما فكرت به وأنا أركض لأتفقد بقرتي، ماذا سيحصل لو فقدتها؟ من أين سنأكل وكيف سنعيش؟».

قذيفتان قتلت البقرة، جاءت من حاجز المغير القريب من بيت أم شاهين «ظننت أن حصتنا للقذائف انتهت، بالعادة تخرج من الحاجز قذيفتان أو ثلاثة، لكن لم ينتهِ القصف كما ظننت»، فاجأتها قذيفة سقطت بالقرب منها بترت ساقها فوراً نتيجة شظية كبيرة، سقطت على الأرض، وهي تحمل طفلها وتحميه بجسدها، خوفاً من قذيفة جديدة.

أسبوع من الهلوسة والوجع المقيت عاشته أم شاهين، تستيقظ ثواني تذكر أسماء أطفالها وتعود لتغط بغيبوبتها، «لا أذكر كيف وصلت إلى المشفى الحدودي»، تفرك يديها بقهر وتكمل «كل ما أذكره قبل إغمائي أن طفلي الرضيع كان تحتي، والباقي من أطفالي داخل المنزل ينتظرون الرز بحليب الذي وعدتهم به في يوم عيد الأم».

خرجت أم شاهين من المشفى، نصحها الأطباء بتركيب قدم صناعية لتجاوز أزمتها بسرعة، «فقدان قدمي غيرني من الداخل، ونفّر زوجي مني، لم يحتملني طويلاً، طلقني أثناء رحلة تركيب القدم الصناعية والعلاج الفزيائي»، تتوتر وتدمع عينها، فقد أصبحت أم شاهين كثيرة العصبية، قليلة الكلام، والشجار حاضر مع أي كان لأتفه الأسباب.

استطاعت أم شاهين خطو أولى خطواتها بقدمها الجديدة بعد شهر، ومع هذه الخطوة بدأت المعاناة الحقيقية، فهي الآن بلا معيل، وفقد بقرتها التي كانت مصدر رزقها، وآخر قطعة ذهب تملكها باعتها لتطعم أطفالها خلال فترة العلاج ولتغطية مصاريف مركز العلاج الفزيائي في مركز مدينة كفرنبل.

تساعدها بعض جارتها بقليل من الطعام، وبعض النقود كصدقة لتكمل حياتها، اقترح أخوها أن تفتتح كشكاً صغيراً في منزلها لبيع القهوة والشاي للمارة والبسكويت لأطفال الحي، جمع لها من أهالي قريتها ومن يعرفهم مبلغ 60 ألف ليرة سورية، اشترى لها العدة، وعلَّمها كيف تبيع وكيف تحصي ربحها، وكيف تفصل الأرباح عن رأس المال.

تربح أم شاهين يومياً ألف ليرة سورية، تجمع الليرات وتضعها في صحن بجانبها ولا تغفل عنه لحظة، توزع المصروف بشكل لا يكسر رأس المال، فالوجبة الأساسية هي الخبز، وقليل من الخضار وبعض المعلبات التي تحصل عليها من المعونات، تنام بكراً وتستيقظ صباحاً على صوت ارتطام رجلها البلاستيكية على الأرض، تبتسم وتقول «أستيقظ صباح كل يوم لأجد ابنتي ذات الخمس سنوات تلعب بالقدم الاصطناعية مع إخوتها، يفرحون باللعب بها، هي قدمي ولعبة أطفالي الوحيدة».

تعليقات
Loading...