“لا بنام ولا بخلي حدا ينام”.. الحشرات الصيفية: معاناة موسمية مستمرة

ليلة أخرى من ليالي الصيف الحارة يمضيها “أبو هاشم” وهو غير قادرٍ على النوم بسبب لدغ الحشرات له، يغفو قليلاً ليوقظه طنين حشرة اقتربت للدغه، يُشعل البيل ويبدأ بالبحث عنها ويستمر الحال حتى طلوع الشمس، فمع ارتفاع درجات الحرارة ظهرت أعداد كبيرة من الحشرات الصيفية بشكل ملحوظ، الأمر الذي أقلق سكان المناطق المحررة في ظل غياب حملات لمكافحة تلك الحشرات.

شاحنة التضبيب المسائي في كفر سجنة بريف إدلب | سوريتنا   

سوريتنا برس

ليلة أخرى من ليالي الصيف الحارة يمضيها “أبو هاشم” وهو غير قادرٍ على النوم بسبب لدغ الحشرات له، يغفو قليلاً ليوقظه طنين حشرة اقتربت للدغه، يُشعل البيل ويبدأ بالبحث عنها ويستمر الحال حتى طلوع الشمس، فمع ارتفاع درجات الحرارة ظهرت أعداد كبيرة من الحشرات الصيفية بشكل ملحوظ، الأمر الذي أقلق سكان المناطق المحررة في ظل غياب حملات لمكافحة تلك الحشرات.

أدى تدمير البنى التحتية الاقتصادية لمناطق الشمال السوري إلى انصراف المجالس المحلية والمنظمات الإنسانية للمشاريع الخدمية والإغاثية، خاصةً بعد حركات التهجّير والنزوح الداخلي، وطوال السنوات الماضية لم يُطلق سوى القليل من مشاريع مكافحة الحشرات الصيفية، ما دفع ببعض الأهالي إلى مكافحة الحشرات بجهود شخصي.

ولعل من أبرز ما يثير الانزعاج والقلق لدى السكان هو عدم القدرة على النوم، نتيجة قرص الحشرات أو صوتها، الذي يستمر حتى الفجر، خصوصاً عند عدم توفر الكهرباء، وبالتالي تشغيل المراوح للتخلص منها، ما يجعل الناموس بمثابة المشكلة العظمى لدى البعض، بينما تصفه أم هاشم بقولها: “لا بنام ولا بخلي حدا ينام”.

التضبيب المسائي

وسابقاً كانت البلديات في قرى وبلدات الشمال تتولى مكافحة حشرات الصيف، وتحد من انتشارها، وكان يستعمل آلة توضع على شاحنة تدور في الشوارع والأحياء وداخل الحدائق تطلق سحاباً أبيضَ يقضي على الحشرات ويحد من ظهورها.

وقال نائب رئيس المجلس المحلي في سرمين آلاء عبود: «مع انتشار الحشرات وازدياد أعدادها وعدم الاستجابة لنداء المجلس لمكافحتها، أعلن المجلس عن حملة رش المبيدات في البلدة من خلال التضبيب المسائي».

وشرح العبود “التضبيب المسائي” بأنه عبارة عن شاحنة ترش المستنقعات الراكدة وغيرها من الأماكن التي تعتبر بيئة حاضنة لانتشار تلك الحشرات في الأماكن السكنية، بوساطة الفرق الجوالة.

وفي السياق ذاته أطلقت منظمة “البنفسج”، عبر برنامج “النقد مقابل العمل” مشروعاً لرش المبيدات الحشرية في بلدة كفرسجنة، وهذا ما أكده رئيس المجلس المحلي عبد الرزاق الصبيح بقوله: «تم اختيار 15 عاملاً للعمل في مجال رش المبيدات في البلدة لمكافحة (حبة السنة، الليشمانيا، والناموس) وغيرها من الحشرات الصيفية، ما ساهم في تراجع نسبتها».

لا نوم مع “الحوامة وصرصور الليل”

ولعلّ أبرز الحشرات الصيفية التي تنتشر في مختلف المناطق المحررة، حشرة الناموس، أو ما تعرف بــ (البق)، ويطلق سكان معرتمصرين عليها لقب (الحوّامة)، وذلك لضخامة حجمها ولدغتها القوية، وتقوم هذه الحشرة باللدغ وخاصةً في الليل، ما يُسبب احمراراً في اليد وحكة مزعجة تمنع الشخص من النوم.

بعض الناس الذين يعانون من حساسية لدغ الحشرات، قد تُشكل لسعة (الناموس) حساسية مفرطة لهم، لا تظهر في أغلب الأحيان مكان اللدغة بل تمتد لوظائف الجسم الداخلية، ما يؤدي إلى الشعور بالدوار والضعف العام من اللدغة نتيجة ضعف الدورة الدموية واضطرابها، وقد يصل الأمر إلى الصدمة التحسسية؛ أي: توقف القلب عن العمل والموت.

كما تنتشر حشرة “صرصور الليل”، والتي تظهر في الأماكن الرطبة وتختلف أحجامها بين الصغير والكبير، والمزعج فيها أنها لا تلدغ، وإنما تصدر أصواتاً مزعجة في الليل، كما أنها تدخل إلى الأطعمة المكشوفة، وتؤدِّي إلى فسادها، إضافةً إلى انتشار النمل أو كما يسميه أهل إدلب (الدود أو الدر)، والتي تنتشر بأفواج كثيرة ضمن البيوت، وخاصةً داخل علب وأكياس السكر وبين المربيات.

ذبابة الرمل واللشمانيا

ولعل الحشرة الأكثر خطورةً والتي انتشرت في السنوات الخمس الأخيرة هي “ذبابة الرمل”، وهي حشرة صغيرة جداً لا يتجاوز حجمها ثُلث حجم البعوضة العادية، ويزداد نشاطها ليلاً ولا تصدر صوتاً عند طيرانها لذا قد تلسع الشخص دون أن يشعر بها، ما يُسبب له اللشمانيا، وهو مرض معدٍ بحاجة إلى معالجة سريعة، وقد يؤدي إلى الموت إذا تطورت حالة المصاب، وانتشرت هذه الذبابة في المخيمات القريبة من المستنقعات أو ضمن الأماكن الملوثة.

وتركز عمل المنظمات في الفترة الماضية على مكافحة حبة حلب أو (الليشمانيا) كونها الأخطر، وسجّلت مديرية صحة إدلب عشرات البرامج الوقائية والمشاريع لمكافحة تلك الحبة، لما لها من خطورة على السكان باعتبارها مرضاً عالمياً، وكانت آخر الحملات في مدينة سلقين بريف إدلب الغربي.

وقال مشرف فريق اللقاح في سلقين محمد بركات: «مرض الليشمانيا خطير وتعمل المنظمات على الحدّ من انتشاره في المناطق المحررة، وتم تشكيل فرقة مؤلفة من 16 عاملاً بينهم مشرفون، استهدفت الحملة 20 ألف منزل، و4 آلاف خيمة، يُقيم فيها 3.500 عائلة نازحة».

وشدد بركات على «خطورة مرض الليشمانيا الحشوية وضرورة العلاج منه، علماً أن نسبة الوفاة لدى المصابين فيه بلغت 90 %».

كما انتشرت في كثير من المناطق المحررة حملات توعية ضد مرض “اللشمانيا” وطرق الوقاية منه والعلاج في حال الإصابة، إلا أن تلك الحملات لم تكن مجدية كثيراً.

“الأقراص المشتعلة” الأداة الأكثر انتشاراً لمحاربة الناموس

في ظل غياب أي جهود لرش المبيدات في الكثير من المناطق المحررة، لجأ الأهالي إلى مكافحة الحشرات بأنفسهم، فقام كثير من الناس بشراء أقراص الناموس من المحلات والتي حققت أعلى نسبة من المبيعات، بسبب أسعارها الرخيصة وحاجة الناس اليها في ظل الانتشار الكثيف لحشرة “الناموس” التي تزعج الناس خاصةً أثناء النوم.

يقول محمد مسطو صاحب أحد محال بيع المبيدات الحشرية: «لاقت فكرة الأقراص المشتعلة رواجاً كبيراً، وتعتمد على مبدأ الاحتراق البطيء ولمدة خمس ساعات للقرص الواحد، حتى تُصدر رائحة تقوم بتخدير الناموس وشلّ حركته».

كما انتشر الغربول أو ما يُعرف بــ “الناموسية” في العديد من المناطق، حيث توضع قطعة قماشة دقيقة المسام فوق السرير ومن مختلف جوانبه، لتمنع دخول الحشرات نحو الشخص النائم.

واستعمل البعض مبيدات صناعية، كالبخاخ الذي يُرش في الغرفة، أو مسحوق البودرة الذي يوضع على زوايا الغرف، إلا أن تلك الوسائل لم تكن فعّالة جداً، حيث قال مروان غزال من سكان معرة النعمان: «اتنشر في كثير من المحلات مبيدات حشرية، إلا أن أغلبها منتهي الصلاحية رغم أن تاريخها يُظهر أنها سارية المفعول، ولكن عند الاستعمال تجد أنها لا تُعطي أية فاعلية، ما يعني أن تاريخ الصلاحية على العلبة مزور».

ومن الوسائل المستعملة “ساحق الحشرات”، وهو جهاز يعمل على الكهرباء، ويقوم على مبدأ تشغيل ضوء أزرق خفيف يجذب الحشرات الطائرة، وحين تقترب منه، يتم سحقها بالكهرباء، إلا أن هذه الوسيلة كانت قليلة الانتشار نظراً لعدم توفر الكهرباء في المناطق المحررة طوال الوقت.

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف