لا نريد معايشة العقارب

سوّق خلال الأعوام الستة القاسية التي مرّت على الشعب السوري، لعدد من المفاهيم الطلسمية المطلقة، واعتبارها مسلَّمات لا بد من اعتناقها كشرط لنيل شهادة “يصلح للثورة” أو ورقة “لامانع من تحرره”، منها “احترام الرأي الآخر”، و”حرية الرأي”، وأغربها “التعايش”.

0


فادي جومر

سوّق خلال الأعوام الستة القاسية التي مرّت على الشعب السوري، لعدد من المفاهيم الطلسمية المطلقة، واعتبارها مسلَّمات لا بد من اعتناقها كشرط لنيل شهادة “يصلح للثورة” أو ورقة “لامانع من تحرره”، منها “احترام الرأي الآخر”، و”حرية الرأي”، وأغربها “التعايش”.

يفترض مسوقو هذا المصطلح أن الانسان المضطهد، المحاصر اقتصادياً وسياسياً وأمنيّاً وثقافيّاً، ليس له الحق في المطالبة بتغيير هذه الأوضاع، إن لم يكن معتنقاً مبدأ التعايش حتى النخاع، بل يذهب حواة سيرك النظريات التعايشيّة إلى أبعد من ذلك، وهناك لائحة تهم رافضي التعايش جاهزة: أنت وحش إن رفضت التعايش مع قاتل أو مؤيد قاتل.

أنت المسؤول عن خراب البلد إن رفضت التعايش مع إعلاميٍّ يخدم الجيش الروسي أو أي محتلّ آخر، وأنت المسبب بتهجير ملايين السوريين إن رفضت التعايش مع الذين كانوا يرقصون احتفالاً بتهجيرهم.

وهكذا فإن قائمة طويلة من واجبات التعايش، التي يشترط المنظّرون التزامك بها، لتكون بنظرهم إنساناً يستحق الحريّة.

وبعيداً عن مستوى النفاق وازدواجيّة المعايير في خطاب هؤلاء الدعاة، والذي يبشّر بضرورة التعايش مع مؤيد القتل، والراقص على صوت الرصاص، والهاتف بحياة جيش السفاح، فإن هؤلاء الدعاة مستعدُّون لاتهام أي رافض لهذا التعايش: بالحقد، والطائفية، وانعدام الانسانية!! لدرجة يتمنى فيها المرء أن يكون مؤيداً لينال شيئاً من حنانهم الدافق.

أليس من حق الإنسان، ودون أيّة أسباب منطقية، أن يختار أصدقاءه؟ زوجته؟ مكان سكنه؟

أليس من حقّي مثلاً أن أتجنب الاختلاط بالأشخاص المحبين للنميمة؟ البخلاء؟ المملين؟ الثرثارين؟ محبّي جورج وسوف؟ لماذا لا يهدد تجنب ثقال الدم السلم الأهلي، بينما قد يسبب تجنّب الاختلاط بحاملي وزر الدم: فشل بناء الوطن؟!

أي دجل في هذه المصطلحات التي قد تمرّ كمسلّمات لايأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، بينما لا تحتاج إلى أكثر من دقيقة تفكير لنسفها، ولمعرفة أنها تخدم غاية واحدة فقط: أن يفلت الجاني بلا عقاب؟!

وبالتأكيد، فالجاني المقصود هنا هو ليس من حمل السلاح وقتل بشكل مباشر، والعقاب هو ليس السجن أو حتى الإعدام. نتحدث هنا عن جرائم قد لا يطالها القانون، جرائم إنسانية صرفة، تحتاج لعقاب من ذات النوع:

داعم الجيش قاتل كالجيش إنسانياً، الإعلامي الذي يعمل في ماكينة تشويه صورة الضحايا، وتلفيق الحقائق، مجرم كمسؤول التحقيق في أقبية المخابرات. ولكن أغلب القوانين لا تطال هذا النوع من الجرائم، لكن الناس وحدهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم وبكل هدوء وسلمية ودون أي مخالفة للقانون.

ببساطة

يمكن أن يضعوا إصبعهم مباشرة في عين “التعايش” ويفقؤوها؛ فلا يوجد قانون أو عرف يجبرك حب قاتلك ومشردك، لا تصدق جبال الهراء عن بناء الوطن يداً بيد مع من يدعي لتحويل درعا ودوما وحمص  إلى مزارع بطاطا، تخيل أن يكون معلم طفلك البريء في المدرسة كائن يرى في قذائف جيش الأسد على المدنيين معزوفة موسيقية!

هذا التعايش، هو دعوة لقبول القبح والشر في بيوتنا، دعوة لمحاباة أنصار الموت، وربما لن تنصف العدالة والقانون السوريين يوماً ولكن: لا أقلَّ من أن تكون حياتنا المعيشية الخاصة خالية من أعداء أبسط حقوق في العيش.

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...