ما زلتُ حياً!

سوريتنا برس

 تنشر سوريتنا قصة شاب سوري يروي تفاصيل اعتقاله في معتقلات النظام بدمشق، في الفترة الواقعة بين تشرين الأول 2012 وشباط 2014.

«اسمي آدم، أنا في الثالثة والعشرين من العمر. قضيت منها أربعة أشهرٍ في معتقلٍ سوري هو الفرع (215)، أعاني اليوم من عدة أمراضٍ؛ منها: التهاب الكبد الوبائي، وأعيش الآن في أحد بلدان الجوار، وكل ما أحلم به علاجاً ضرورياً لبقائي حياً، ليس لي إلا هذا الحلم. صحيح أن تلك الأشهر الأربعة لا تزال حيةً في داخلي، لكن لك أن تصدق أو لا تصدق أني لازلت حياً».

في البدء

كان صراخاً حاداً ومستمراً، لا شك أنكم قرأتم كثيراً عن ذلك الصراخ الذي يسمع في المعتقلات، فأنا قرأت كثيراً عنه، لكن كل ما كتب لا يفي حقاً وقعه على الآذان، وربما يكفي أن أقول لكم: إنه ينتزع جزءاً من العقل.

سمعته فور دخولي إلى المعتقل، هناك من يعذب الآن خلف هذا الجدار. قلت ذلك في نفسي وأنا أجلس القرفصاء منفذاً أمر العنصر لي ولبقية من دخلوا معي.

لم يطل الأمر قبل أن ينتشر الصوت ذاته في الغرفة ذاتها التي أنا فيها، مع تطاير الدماء، وتمزق الملابس. كنت أنتظر الضربة الأولى على ظهري، كنت أريدها كي أعرف أي ألمٍ سأواجه، كان انتظاراً قبيحاً، لم يدم طويلاً. هي من حديد، ليست (كرباجاً) ولا سوطاً ولا حزاماً، سيخ حديدي، خر عليَّ مراراً ففقدت الوعي تماماً، وعندما استيقظت، بعد أربعة أيام، شاهدت عظمي قد اخترق لحمي، كانت قدمي قد كُسِرَت وخرج العظم منها.

في المعتقل، وتحديداً في الأيام الأولى، تكون ساذجاً ومثيراً للضحك بالنسبة للقدامى من المعتقلين، وتطلب أشياء غريبةً، وتكون قليل الصبر، كثير التذمر، لكنك لا تلاحظ ذلك إلا بعد أن تصبح أنت قديماً تراقب المستجدين.

فمثلاً، بعد استيقاظي طلبت ممن حولي الماء، ثم تحسست يدي لأجد (سيروناً) طبياً محقوناً في ذراعي. أنا الجديد هنا طلبت الماء من العنصر السجان، بعدها فهمت موقعي كمعتقل أحمق وغُرٍّ.

في السقف

بعد ساعات نقلت سحلاً إلى غرفة أخرى، وأنا أرُكَل وأشتم، كنت ملقًى على ظهري، ورأسي نحو الأعلى، نحو الأجساد المعلقة في الهواء، بشر معلقون من أيديهم، يئنون مثلي، عظام وجلد ودم.

شاب وحيد وضعت في فمه عصاً يبدو أنها طويلة، وقد وصلت معدته، كلما مر عنصر بالقرب منه، دفعها نحو أحشائه، كان جسده يقطر دماً من عدة مواضع، عيناه لا تملكان القوة لرفع جفنيه، هو الوحيد الذي لم يكن يئن.

أبلغ الكي

“قف يا حيوان” صاح العنصر بي، وكان يعلم أني لا أستطيع الوقوف، الكسر بليغ في قدمي، والعظم غادر موضعه، واللحم طري يتدلى، والالتهاب بدأ وظيفته في جرحي. داس بكل قوته على عظمي، فصرخت، وكان صوتي تماماً مثل الصوت الذي سمعته في اليوم الأول، رشوا الماء علي، وبدأت جلسة الكهرباء. كل الجسد يتشابه سريان التيار فيه، إلا الخصيتين، يرقص عظمك منهما، تشل وتقترب من الموت، أرتخي تماماً بعد كل صعقة. لكني أصدرت صوتاً أبلغ، لا بد أنه أرعب الواصلين حديثاً، ومن جديدٍ لا أستطيع وصفه، وذلك حين بدأ قلع أظافري، أو تكسير أصابعي، أو ضربي على خصيتي باستمرار.

عذب نفسك كي يتوقف تعذيبك، كان لا بد أن أعذب نفسي أنا، طلبت من أحد المعتقلين أن يخلع كتفي، هكذا لن أشعر بألم، كانت خطتي أن أجعله يخلع الكتفين، لكني لم أحتمل بعد الأول أن أجرب الثاني، لكن الخطة نجحت، وسقطت أنا بطريقة مضحكة حين علقت من كتفي، مل العنصر مني وأعادني إلى الزنزانة.

زملاء

كان معي في المعتقل طفل لم يتجاوز العاشرة من العمر، عرفت أنه اعتقل مع كل عائلته بسبب نشاط أخيه ضد النظام، ورجل ستيني من منطقة المزة، تهمته أنه قام برفع سور منزله القريب من مطار المزة العسكري، وثلاثة شبانٍ اعتقلوا على حاجزٍ في منطقة مشروع دمر، فقط لأنهم من سكان بلدة المعضمية.

ورجل آخر اعتقل هو وابنه البالغ من العمر (23) ثلاثةً وعشرين عاماً مع عددٍ من الشبان في حملة اعتقالاتٍ طالتهم من منازلهم في منطقة كفرسوسة، تعرفون طبعاً أن الجميع كان يعذب بذات القدر، فيما جميعنا أيضاً نشرب الماء من القارورة التي نبول فيها ليلاً ونملؤها بالماء صباحاً.