جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

مراكز إدلب الثقافية تتلاشى ومساعٍ حثيثة للحفاظ على ما تبقى من كُتبها

الثقافة تعايش ظروف الحرب من قصف وسرقة ونزوح

0

 صهيب مكحل

“الحرب حرمتنا حتى من الثقافة”، كلمات رددها محمود التركي، من أهالي بلدة كفرنبل في ريف إدلب، أمام المركز الثقافي في البلدة، والذي بات مركزاً بلا ثقافة، بعد ما تعرض كغيره من المراكز الثقافية في المحافظة، لسرقة كافة محتوياته، بما فيها الكتب، في حين تحولت مراكز أخرى إلى مشافٍ ومراكز طبية، نظراً لتراجع النشاط الثقافي. بينما سعى البعض إلى إعادة إحياء الحركة الثقافية والنهوض بها من جديد، من خلال إعادة تأهيل المراكز الثقافية، وإقامة فعاليات وندوات.

ضمت محافظة إدلب قبل الحرب، ما يزيد عن 17 مركزاً ثقافياً، موزعة على جغرافية المحافظة، وفي كل مركز مكتبة تضم آلاف الكتب، التي تساعد الطلاب والباحثين في أبحاثهم العلمية والجامعية، فضلاً عن قاعات المطالعة، والمسارح، ومعارض الرسم والفنون التشكيلية، إلا أن معظم تلك المراكز دمرت، أو توقفت عن العمل.

سنوات الحرب هدمت الثقافة

تسبب تصاعد العمليات العسكرية بتدهور الحركة الثقافية في مناطق المعارضة، وقال مشرف المجمع التربوي في معرة النعمان، خالد المحمود لـــ سوريتنا: إن “غياب المؤسسات الثقافية له دور كبير في تدهور الحركة الثقافية، فلا وجود لدورٍ حقيقي لكاتب أو مفكر، بل ينحصر عملهم بشكل فردي، أما في حال وجود مؤسسات ثقافية، فيمكن العمل ضمنها، وتوجيه اهتمامات الجيل نحو الثقافة”.

وأضاف المحمود “أعتقد أن تقصير الجمعيات الأهلية، في إقامة حملات لتشجيع الناس على الثقافة والتعلّم، يمكن أن يكون سبباً من أسباب ضعف الوعي الثقافي للمجتمع، فيتوجب على المراكز الثقافية استخدام تطور الانترنت، للوصول إلى الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز الوعي الثقافي عن طريقها”.

كما يرى الشاعر نور الدين إسماعيل من مدينة كفرنبل أن “سبع سنوات من الحرب كفيلة بهدم الثقافة، ويجب المسارعة في الحفاظ على الموروث الثقافي السوري”، وأضاف الشاعر إسماعيل “لو أخذنا قطاع غزة كمثال، لم تُفلح إسرائيل في هزيمة الفلسطينيين ثقافياً، على مدى 70 عاماً من الحرب، والدراسات تقول بأن الفلسطينيين هم من أكثر الشعوب ثقافةً”.

كما تُعتبر قلة الكتب في مكتبات المراكز الثقافية، من أبرز الصعوبات التي تواجه الرقي بالواقع الثقافي، وقال مسؤول المركز الثقافي في الدانا، علي سمسوم: “لتحقيق النجاح الثقافي، يجب أن نستهدف ثقافياً الفئات العمرية من 15 – 22 عاماً، ولنجاح العمل يجب تزويدهم بكتب مناسبة، ولكن نسبة الكتب المتبقية هي 20 %، ولا تكفي لتخديم هذه الفئة”.

في حين قال معتز مرضعة من سكان مدينة إدلب ” وانشغال كل شخص بتأمين قوت عائلته في ظل ظروف الحرب، لم يترك مجالاً للتفرغ للأمور الثقافية، وهو ما ساهم في إضعاف هذا الجانب كثيراً بالرغم من أهميته الكبيرة”، مضيفاً “طالما أن الناس منشغلون بظروفهم الحياتية، سيستمر الوعي الثقافي بالتدهور”.

الكتب للتدفئة وأبنية المراكز للخدمات

ولعل غياب المراكز الثقافية، أحد أهم أسباب تدهور الثقافة لدى سكان المناطق المحررة، وساهم في غياب تلك المراكز الكثير من الأمور ولاسيما القصف، حيث تعرض مبنى المركز الثقافي في سراقب بريف إدلب، لبرميل متفجر، أدى إلى دماره بنسبة 80 %، ولاسيما الصالة والمكتبة، بينما بقي الجناح الشرقي للمركز بعيداً عن الأذى.

وتأسس المركز الثقافي في سراقب عام 1990، ويضم طابقين ومجموعة من القاعات، إضافةً لصالة مسرح تتسع إلى 200 شخص، فضلاً عن مكتبته المتنوعة والمتميزة، التي تضم كتباً في مختلف الاختصاصات من أدب ودراسات وعلوم فلسفية.

وقال مدير المركز الثقافي في سراقب ياسر الصوفي: “تعرضت المراكز الثقافية للسرقة عدة مرات، حيث كان البعض يسرق الكتب لاستخدامها في التدفئة، والبعض الآخر يسرقها متقصداً السرقة”، مضيفاً “خسارة المراكز لا يمكن تعويضها، أكثر من 5500 كتاب سُرق وأتلف، بينما استطعنا تأمين 2000 كتاب لدى الجمعيات برسم الأمانة”.

 

 

وقام المكتب الطبي في مدينة سراقب، بتوقيع مذكرة تفاهم لتحويل مبنى المركز الثقافي إلى بنك دم، ومركز علاج لمرضى التلاسيميا، بعد إعادة ترميمه وتأهيله على نفقة إحدى المنظمات الداعمة، وأضاف الصوفي “قدمنا خلال السنوات الماضية، العديد من المبادرات والمناشدات لتفعيل المركز الثقافي، من خلال القسم الشرقي المتبقي، بلا أي استجابة”.

ولم يكن حال مركز كفرنبل الثقافي أفضل، حيث سلم المركز من القصف، إلا أنه لم يسلم من السرقة من قبل ضعاف النفوس، رغم أهمية هذا المركز للسكان، حيث تأسس مطلع عام 2007، ومع بدايات الثورة، تحول المركز إلى ثكنة عسكرية لقوات النظام، ومن ثم تعرض للسرقة والنهب.

وقال مصدر مطلع من أهالي كفرنبل، فضّل عدم ذكر اسمه “ما يقارب 10 آلاف كتاب من أمّهات الكتب، اختفت من المركز الثقافي، بعد انسحاب قوات النظام منه، وبعد أيام تناقلت الروايات نشوب حريق داخل المركز، واحتراق معظم كتبه، كما قام العديد من ضعاف النفوس، بتقديم الكتب القيّمة إلى بعض قادة الفصائل، فضلاً عن قيام البعض بسرقة محتويات المركز، من آلات الكترونية وكراسي وطاولات ومكتبات خشبية”.

إعادة الحياة إلى مركزي معرة النعمان وإدلب الثقافيين

سعت مجموعة من المتطوعين والفعاليات المدنية، على إعادة تأهيل المراكز الثقافية، كالمركز الثقافي العريق في معرة النعمان، الذي تأسس عام 1939، ويحوي داخله قبر أبي العلاء المعري، أحد أبرز اعلام الشعر العربي، وفي عام 2007 نُقل المركز إلى بناء حديث، مؤلف من ثلاثة طوابق، وقاعات مطالعة، ومكتبة تتسع لأربعة آلاف كتاب، ومسرح يتسع لــ 375 شخصاً.

جانب من إحدى الندوات التي استضفها مركز المعرة الثقافي | سوريتنا

وقال مدير المركز الثقافي في المعرة عمر خشان “فُقدت الكثير من الكتب في المركز، بعد أن حولته قوات النظام إلى ثكنة عسكرية، ومن ثم استهدافه بعد خروجها من المدينة، وبلغت نسبة الكتب التالفة ما يقارب ألف من أصل 14 ألف كتاب، ذات مواضيع محددة، أكثرها في التاريخ والأدب واللغة ودواوين الشعر”.

وأضاف خشان “قام مجموعة من المتطوعين بجمع الكتب، ونقلها إلى مستودعات آمنة، خوفاً من تعرض المزيد منها للتلف، وفي عام 2014، تم تفعيل المركز الثقافي من جديد، وإعادة الكتب إليه، وتأهيل المكتبة”، مشيراً أن “المركز الثقافي تم تفعيله أفضل مما كان عليه قبل الثورة، وأصبحت نسبة الإقبال عليه جيدة”.

كما أعاد متطوعون افتتاح مكتبة المركز الثقافي في مدينة إدلب، بعد إغلاق دام قرابة ثلاث سنوات، إثر تعرض المركز للقصف المتكرر، فضلاً عن السرقة والنهب.

وتمكن مأمون قصاص، المسؤول عن المكتبة، من حفظ ما يقارب 30 ألف كتاب من التلف أو السرقة، بجهود فردية استمرت لثلاث سنوات، حيث قال: “استُهدف المركز بثلاث غارات جوية، اضطررت بعدها لنقل الكتب إلى القبو، وبدأت بتصنيف الكتب، ومنذ شهرين أنهيت العمل الذي استمر ثلاث سنوات، واعتمدنا أسلوب الاستعارة الداخلية للكتب، بسبب ضعف الإمكانيات وقلة النسخ، ونأمل بتوفير نسخ الكترونية من هذه الكتب لمساعدة القراء، حال توفر الإمكانيات التقنية”.

ولكن الإقبال على المركز الثقافي في إدلب كان ضعيفاً، يقول أمجد أحد طلاب كلية التربية في إدلب: إن “الدخول للمركز بات يقلق الجميع، تتجول في حديقة المركز لساعات ولا ترى مدخل القبو حيث توجد المكتبة، وفي الداخل تنعدم وسائل التدفئة والإنارة الصحيحة”.

 مساعٍ لإنعاش الوعي الثقافي

وبرزت العديد من الفعاليات الثقافية، لرفع المستوى الثقافي لدى سكان مناطق المعارضة، في ظل غياب أدوار المراكز الثقافية، مع وجود قابلية لفكرة الفعاليات، المتمثلة بالندوات الأدبية والشعرية، والمحاضرات الثقافية، والدورات التدريبية، وكل ما من شأنه أن يُعزز الروح المدنية والثقافية والحضارية.

وتُعتبر مدينة سراقب، الأكثر نشاطاً بالفعاليات الثقافية، في محافظة إدلب، وقال مدير منتدى دار السوريين للثقافة رواد رزاز: “تم طرح فكرة مدنية، وبدأنا تنفيذها منذ ما يقارب 20 يوماً، وهي عبارة عن منتدى ثقافي، نحتضن بداخله جميع المثقفين والفعاليات، ونسعى لإنشاء دار للمطالعة، إضافة لنشاطات ثقافية واجتماعية على نطاق المدينة، لمنظمات المجتمع المدني، وفي حال حدوث أي اجتماعات أو ورشات تدريب، نستقطبها إلى المنتدى”.

كما احتضن منتدى “دار السوريين” معرض الكاريكاتير ضمن حملة “سوريا في عيون إدلب”، وضم مشاركين وفنانين من مختلف المناطق المحررة، بمشاركة 22 لوحة، وسعى القائمون على المعرض لتنشيط الروح المدنية، وإظهار الوجه المدني لمحافظة إدلب.

كما دعا مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي في سراقب، إلى عقد لقاءات عديدة تم على إثرها الاتفاق على إنشاء جسم ثقافي تحت اسم ملتقى “بابل الثقافي”، وقال مدير الملتقى ياسر الصوفي: إن “الهدف من المُلتقى إنشاء قاعدة وعي ثقافي، ومحاربة الأفكار السلبية، عن طريق نشر الوعي والثقافة، كونهما من أهم العناصر الداعمة لتقدم المجتمع وازدهاره”.

أنثاء إعادة تجهيز مركز الدانا الثقافي | سوريتنا

حتى الكتب تنزح في سوريا

يعتبر المركز الثقافي في الدانا من أوائل المراكز في المحافظة، وهو عبارة عن طابقين، ويضم ثلاث قاعات للمطالعة، وصالة للأنشطة، ومكتبة تحتوي على ما يقارب 15 ألف كتاب، ومسرح يتسع لـ 200 شخصاً.

يقول مدير المركز الثقافي في مدينة الدانا علي سمسوم: “تعرض المركز لغارة جوية أدت لانهيار أحد جدران المكتبة، إضافةً إلى سرقة الكثير من الكتب، وبعدها بدأ الأهالي بترميم جدار المكتبة، وإعادة تخزين الكتب، ليتحول المركز بعد فترة وجيزة، إلى مشفى للتوليد النسائي عام 2013، واستمر حتى توقف الدعم، وإغلاقه عام 2016، ليحل مكانه مشفى القدس”.

وأضاف سمسوم “بعد تحول المركز إلى مشفى، بدأت كتب المركز برحلة نزوح طويلة، حيث قمت بنقل الكتب من المركز الثقافي إلى ثانوية الدانا، ولكنها تعرضت للكثير من السرقة والنهب، فنقلت الكتب إلى مسجد عثمان بن عفان، ولكن لضيق المكان، تم نقلها إلى كلية الهندسة التابعة لجامعة حلب الحرة، وبعد عدة أشهر، طلبت إدارة الجامعة نقل المكتبة إلى مكان آخر، لحاجتها إلى الغرف التي وُضعت الكتب فيها”.

وبعد رحلة النزوح الطويلة للكتب، استقرت في إحدى الصفوف بمدرسة “الدانا المحدثة”، بعدد كتب لا يتجاوز ثلاثة آلاف كتاب، من أصل 15 ألف، أي نسبة 20 %، هي فقط ما تبقى من كتب تاريخية وتراثية، حافظ عليها الآباء والأجداد لعقود طويلة، ودمرتها الحرب في بضع سنين.

تعليقات
Loading...