جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

معتقلو سجن حمص المركزي يصرون على مطالبهم ويعلقون إضرابهم بعد وعود من النظام

المعتقلون "نفضّل الموت على تسليم أنفسنا للنظام"

0

 عبيدة أبو خزيمة

 بدأ مئات المعتقلين في سجن حمص المركزي في السادس عشر من الشهر الحالي إضراباً تاماً، مطالبين المنظمات الإنسانية بالتدخل الفوري لمنع أي اقتحام للسجن من قبل قوات النظام، والعمل على فك أسرهم وعودتهم إلى عائلاتهم، أسوةً بالمناطق والمدن التي أُخليت من سكانها برعاية دولية، مؤكدين أن إضرابهم السلمي عن الطعام حق مشروع لهم.

 وأكد السجناء المُضربين عن الطعام، وعددهم 550 معتقلاً، في بيان نشرته إدارة الهيئة السورية لفك الأسرى، إضرابهم التام عن الطعام والشراب، تحت اسم “إضراب البطون الخاوية”.

ولخص السجناء الذين اعتُقلوا بتهم متعلقة بارتباطهم بالثورة، أسباب إضرابهم، بأنهم عانوا من القهر والظلم والاستبداد، وكانوا الحلقة الأضعف دائماً في أي تفاوض، وأن الوعود التي قطعتها كافة الأطراف التي تتابع ملف الأزمة في سوريا، كانت هباءً منثوراً ووعوداً واهية.

وسيطر معتقلو السجن في عام 2012 على السجن من الداخل ومنعوا قوات النظام من الدخول إليه، ليتمتع المعتقلون بحرية التنقل بين المهاجع، في حين ظل النظام مسيطراً على القسم الخارجي للسجن، وحاول النظام على مر السنوات السابقة اقتحام السجن والسيطرة على السجناء دون جدوى.

استعصاء يتحول إلى إضراب

ويأتي إضراب الطعام استكمالاً للاستعصاء الذي بدأه السجناء نهاية حزيران الماضي، احتجاجاً على ممارسات إدارة السجن، والتي كان أسوأها سحب أكثر من 10 معتقلين من مهاجعهم في سجن حمص ضمن القسم الخارجي إلى المنفردات، وممارسة أبشع انواع التعذيب عليهم بما فيه الحرق والضرب والشبح، كما منع النظام وصول الأدوية للسجناء ورفض تلبية أبسط احتياجاتهم.

وتصاعد الاستعصاء إلى أن بلغ أوجه وتحول إلى إضراب مفتوح عن الطعام الأسبوع الماضي، وتحدث المعتقل جهاد أبو عبدو من داخل سجن حمص المركزي لــ سوريتنا، عن أسباب الاستعصاء مؤخراً ومراحل تطوره قائلاً: بدأت الأمور تزداد حدة وتتأزم بعد تعيين العميد بلال سليمان المحمود مديراً للسجن، خلفاً للمدير السابق العميد عبدو يوسف كرم، وذلك قبل شهر ونصف تقريباً”.

وأضاف جهاد أن “العميد بلال منذ استلامه، حاول فرض أوامره على السجناء من خلال معاقبتهم بحرمانهم من الطعام أو الماء أو الكهرباء في حال مخالفته، لتتطور الأمور إلى محاولته مؤخراً اقتحام السجن عبر القنابل المسيلة للدموع والهراوات الكهربائية بالإضافة إلى صعود عناصره على الأسطح المقابلة ورفع السلاح، ولكن بائت محاولته بالفشل بعد إغلاق الأبواب والمنافذ من قبل السجناء بما توفر لديهم من أدوات”.

وتزامنت محاولات الاقتحام بحسب جهاد، مع قطع الماء والكهرباء، وكذلك الاتصالات عبر إزالة أبراج الهاتف في محيط السجن ووضع أجهزة تشويش، حيث كانت نساء المعتقلين تدخل لهم شرائح هاتف بشكل سري”، مضيفاً أنه “رغم قطع النظام الاتصالات، إلا أن هناك بعض النقاط ضمن السجن تصلها الشبكة”.

كما أن معتقلي الرأي منذ 2011 ما زالوا داخل السجن دون إطلاق سراحهم أو إدراجهم في قوائم التبادل، ولم يتم عرضهم حتى الآن على القاضي، بالإضافة إلى منعهم من توكيل محامي لهم، وما زالوا ينتظرون، وفق ما ذكر جهاد.

وعقدت ما تسمى “محكمة الإرهاب” في الأيام الماضية، جلسات محاكمة للمعتقلين في سجن حمص المركزي، وكانت المحاكمات تجري في مكتب مدير السجن وليس في مقر المحكمة.

كما أوضح مصدر مطلع لــ سوريتنا، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن “هناك أسباب سابقة غير مباشرة ساهمت في تنفيذ الإضراب، تعود إلى الظروف السيئة التي يتعرض لها نزلاء السجن، ومنع دخول الأدوية خصوصاً للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة والتي تحتاج إلى أدوية علاجية مستمرة”، مشيراً إلى أن “المعتقلين تمكنوا من الحصول على بعض الأدوية عبر التعامل مع أشخاص مدنيين من خارج السجن، لكن النظام اكتشف أمرهم وقام باعتقالهم”.

لجنة التفاوض تشترط وجود الروس

وشكل المعتقلون لجنة مفاوضات داخل السجن، ووجهوا نداء استغاثة إلى منظمات حقوق الإنسان، بعدم السماح باقتحام السجن، والتدخل الفوري لمنظمات الصليب والهلال الأحمر، وبيّن المعتقل جهاد أنه “كان هناك مساعي من مدير السجن ومحافظ حمص طلال البرازي، لمقابلة لجنة السجناء في محاولة لفك الإضراب، ولكن اللجنة رفضت مقابلتهم في البداية، وطالب أعضاؤها بحضور وزير الداخلية أو الوفد الروسي لبدء المفاوضات”.

وأضاف أن “معظم المعتقلين يطالبون الروس بمفاوضتهم بشكل مباشر لمعرفة مصيرهم ومصير سجنهم، كما لجأ المعتقلون لتوجيه نداءات إلى اللجنة المسؤولة عن المفاوضات مع النظام وروسيا حول مصير ريف حمص الشمالي، لتكون وسيلة ضغط أخرى على النظام وروسيا”.

ولبت لجنة المفاوضات المختصة بمصير ريف حمص الشمالي النداء، وسارعت إلى مطالبة الجانب الروسي بالضغط على النظام السوري ومنعه من اقتحام سجن حمص المركزي، والإسراع في بدء حل موضوع المعتقلين، وبأن يكون الوفد الروسي هو المشرف على أي اتفاق يتم التوصل إليه، لأن النظام السوري في كل مرة لا يفي بوعوده، كما حصل سابقاً باتفاق الوعر الذي كان أحد بنوده إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين المتواجدين في سجون قوات النظام، ولكن النظام لم يُنفذ ذلك.

شاهد على واقع المعتقلين

وعن حال المعتقلين خلال فترة الاستعصاء، قال أحد المعتقلين، في اتصال مباشر من داخل السجن ويدعى محمد الأصفر لــ سوريتنا “أنا معتقل منذ أكثر من خمس سنوات وحتى الآن لم يصدر بحقي أي حكم، إلى متى نبقى على هذه الحال، وهناك المئات من المعتقلين حالهم كحالي، كما أن المعتقلين من كبار السن شاركونا الإضراب عن الطعام والشراب، علماً أن ذلك يُشكل خطراً على حياتهم، فقد أغمي على رجل في الستين من عمره مصاب بمرض القلب، نتيجة امتناعه عن الطعام”.

ولا يزال النظام يقدم الطعام والشراب للمعتقلين، فهو لا يريد أن يستمر الإضراب، لأن محاولاته بفصل السجن عن الإعلام والمحيط الخارجي قد فشلت، ولاسيما أن السجناء تمكنوا من إيصال صوتهم إلى وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، وتأكيداً لذلك أوضح الأصفر “في اليوم الثاني من الإضراب قام وفد من الصليب الأحمر بزيارة السجن، ولكن مدير السجن وعناصره منعوهم من مقابلتنا والاطلاع على أوضاعنا، ولكن مهما حدث فنحن نفضّل الموت على أن نسلم أنفسنا لهذا النظام”.

وعود من النظام ومخاوف من نقضها

وعقب اجتماع لجنة التفاوض عن السجناء مع محافظ حمص “طلال البرازي” وقائد شرطة المحافظة، أعلنت لجنة التفاوض اتفاق المعتقلين في سجن حمص المركزي مساء السبت الماضي، على تعليق الإضراب عن الطعام الذي بدأوه قبل عدة أيام حرصاً على سلامة المعتقلين وإتاحة الفرصة للنوايا الحسنة وتنفيذ الوعود التي قدمها مسؤولو النظام.

وكانت أهم الوعود بحسب لجنة التفاوض: “قدوم لجنة من القضاء المدني لمعالجة القضايا العالقة، وزيارة وزير العدل قريباً لإنهاء أمور الموقوفين بقضايا الإرهاب، كما وعدوهم بحضور قضاة التحقيق والجنايات، والأهم حسب قولهم وعد محافظ حمص بإنهاء معاناتهم بشكل كلي.

من جانبه قال المحامي عبد الحليم الخالد: إن “وعود النظام هي عبارة عن مجرد تهدئة لنفوس السجناء وإعادتهم إلى وضعهم الطبيعي، بعد أن ضجت بهم وسائل الإعلام العالمية، فالنظام لم يكن يتوقع أن تخرج الأمور خارج جدران سجنه”، واستشهد الخالد باستعصاء سجن حماة العام الماضي، حيث قدم النظام حينها وعوداً للمعتقلين بإخراجهم بأسرع وقت وعرضهم على القضاء وخصوصاً معتقلي الرأي، ولكن النظام نقض عهده، وكذلك الحال في اتفاق الوعر، حيث لم يُخرج النظام أي من المعتقلين.

وأكد المحامي عبد الحليم على “ضرورة وجود وسيط كالوفد الروسي أو الأمم المتحدة لضمان تطبيق أي اتفاق يجري بين النظام والسجناء”.

الفعاليات المدنية والعسكرية تتضامن مع المضربين

وفي سياق متصل أصدر “مجلس قيادة الثورة” في مدينة الرستن، الجامع لمعظم تشكيلات الرستن العسكرية بياناً، قالوا فيه إنه في حال قيام النظام باقتحام سجن حمص المركزي أو إيذاء المعتقلين، سيقومون أولاً بالتصعيد العسكري على كافة القرى الموالية والنقاط العسكرية التابعة لقوات النظام، وسيقطعون كافة الإمدادات الحيوية التي تمر عبر ريف حمص الشمالي، إضافة إلى إيقاف كافة أشكال التفاوض مع الجانب الروسي والنظام داخلياً وعدم الاعتراف بأي عملية تفاوض خارجية.

كما خرجت عدة مظاهرات في ريف حلب وأبرزها في منطقة جرابلس، أعلنت تضامنها مع معتقلي سجن حمص، وطالبوا بالكشف عن مصيرهم والإفراج الفوري عنهم.

سيناريو مشابه في سجن حماه المركزي

استعصاء سجن حمص المركزي وإضراب السجناء عن الطعام، يشابه ما حدث منتصف العام الماضي في سجن حماة المركزي، حين أعلن 730 معتقلاً إضراباً مفتوحاً عن الطعام للمطالبة بالإفراج عنهم أو تسريع محاكماتهم، إضافةً إلى الاحتجاج على سوء أوضاعهم واعتقالهم بشكل تعسفي بناء على قرارات أمنية.

ويعود سبب الاستعصاء حينها، إلى عزم النظام إعادة أربعة من المعتقلين لسجن صيدنايا، حيث اعتقد السجناء أن إعادتهم لسجن صيدنايا هو لتنفيذ حكم الإعدام بحقهم، لأنهم معتقلون لصالح المحكمة الميدانية العسكرية، والمعروف أن أغلب أحكامها بين السجن المؤبد والإعدام.

ورفع المعتقلون شعار “لا للطعام حتى الخروج من معتقلات النظام”، وشعار “الموت ولا المذلة”، في محاولة من السجناء حينها أن يكون الإضراب عامل ضغط على النظام لإيجاد حل لورقة المعتقلين المنسية من جميع الأطراف، والضغط على المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكناً رغم كل الجرائم داخل معتقلات وأقبية النظام.

وحاولت إدارة السجن ثني السجناء عن مواصلة الإضراب، ووعدتهم بتلبية مطالبهم، إلاّ أنهم رفضوا إنهاء الإضراب قبل تحقيق مطالبهم، ومن ثم هددت إدارة السجن المضربين عن الطعام بنقلهم إلى سجن طرطوس أو اللاذقية إذا لم يوقفوا الإضراب، إلا أنهم رفضوا إنهاء الإضراب أيضاً.

وبعد فشل النظام في تهديداته، أفرج عن 27 معتقلاً سياسياً في سجن حماة المركزي، خرجوا برفقة الهلال الأحمر، الذي أوصلهم إلى نقطة تسيطر عليها فصائل المعارضة في منطقة قلعة المضيق بريف حماة الشمالي، في حين لم ينفذ النظام باقي المطالب.

تعليقات
Loading...