من أحجار الصوان والركام المعاد تدويره.. أهالي ريف حمص الشمالي يرممون منازلهم ويعيدون بناءها

يبدأ أبو محمد أيوب من الرستن صباح كل يوم بالبحث عن أحجار (الصوان) أو الحجر الأسود البازلتي، لبناء منزل صغير له، مستغلاً هدنة “خفض التصعيد” التي بدأت قبل ثلاثة أشهر. وفي ظل ارتفاع أسعار مواد البناء، لجأ الأهالي في ريف حمص الشمالي المحاصر، للعودة إلى تقاليد العصور القديمة في الإنشاء.

أحد سكان ريف حمص الشمالي أثناء ترميم منزله | سوريتنا

صهيب مكحل

يبدأ أبو محمد أيوب من الرستن صباح كل يوم بالبحث عن أحجار (الصوان) أو الحجر الأسود البازلتي، لبناء منزل صغير له، مستغلاً هدنة “خفض التصعيد” التي بدأت قبل ثلاثة أشهر. وفي ظل ارتفاع أسعار مواد البناء، لجأ الأهالي في ريف حمص الشمالي المحاصر، للعودة إلى تقاليد العصور القديمة في الإنشاء.

“الصوان” مصدر رزق وضمان لبيت متين

مهنة التنقيب عن الأحجار البازلتية أمّنت فرص عمل للكثير من الشبان العاطلين عن العمل، ويتم الكشف عنها في المناطق السكنية القديمة والمغطاة بالأتربة لمسافة تصل إلى 3 أمتار، وتُباع الحجرة الواحدة بسعر 50 ليرة سورية؛ أي لا تتعدى تكلفة إنشاء غرفة واحدة 10 آلاف ليرة سورية، في حين تتجاوز تكلفة الغرفة الواحدة من مواد البناء المعروفة 500 ألف ليرة سورية.

يقول أبو محمد أيوب «للحجر الأسود البازلتي قوة تتميز عن أحجار الإسمنت والبلوك، وتدخل مواد الطبيعة كالطين والقش أيضاً في بناء تلك المنازل. تكلفتها زهيدة لا تتعدى عملية البحث عن الأحجار البازلتية، وأثبتت تلك المنازل قدرتها على تحمل الصواريخ والقذائف المتفجرة طوال العامين الماضيين».

أحد العمال في كسارة إلعادة تدوير الركام | سوريتنا

تدوير الركام وإعادة إنشاء البيوت

كما لجأ بعض أهالي الريف الحمصي أيضاً، إلى هدم الأبنية المتضررة، وإعادة تدوير ركام منازلهم عبر كسّارات تعمل على فرز مواد البناء “نحاتة ورمل وبحص”، ومن ثم إعادة انشاء تلك البيوت من جديد.

وقال المسؤول الاعلامي في المجلس المحلي للرستن يعرب الدالي: «تنتشر قرابة 40 كسّارة في مناطق ريف حمص الشمالي، وعلى الرغم من نطاق عملها الضيق معتمدةً على مطارق حديدية في تكسير الأحجار، إلا أنها بديل جيد لمواد البناء القادمة من مناطق النظام والمحتكرة من قبل التجار».

وأضاف الدالي «نشطت الكسّارات عام 2014 والتي ظهرت كبدائل لتخفيف وطأة الحصار، حيث يتم نقل الركام إلى الكسّارة بعد إزالة الحديد منه، لتقوم بفرز المواد بنصف كمية الركام، ولكل متر مربع من الركام تنتج الكسّارة نصف متر مربع من مواد البناء».

كما قال محمد القاسم صاحب إحدى الكسّارات في الرستن: «باتت أسعار مواد البناء النظامية باهظة الثمن ويسجل دخول خمسة شاحنات فقط من مواد البناء يومياً ويتم خلطها مع نواتج الكسّارة لتحسين جودتها، لذلك كان اعتماد الأهالي على الكسّارات لتحقيق مربح مالي وبناء شقة سكنية».

وأضاف القاسم «يقوم صاحب الركام ببيعه إلى متعهد الإنشاء بمبلغ مالي، ليتم قص الحديد ونقل الركام إلى الكسّارة التي تقوم بفرزه، لتباع المواد التي تم فرزها للسكان بقيمة زهيدة لا تتجاوز نصف القيمة، حيث يمكن للسكان بيع الركام ومن ثم شراء مواد البناء الـمُعاد تدويرها بثمنٍ قليل لإنشاء منزل سكني».

غياب القصف نشّط الحركة العمرانية

عمليات ترميم المنازل في ريف حمص الشمالي، بدأت منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، مع شعور الأهالي بنوع من الأمان ورغبة في ترميم منازلهم وممتلكاتهم للصمود لأطول فترة ممكنة، فكانت نسبة مبيع مواد البناء هي الأعلى طوال السنوات الخمس الماضية.

وبلغت النسبة المدمرة من مناطق ريف حمص الشمالي قرابة 60 % من البنى السكنية، فيما تجاوزت نسبة الدمار في المنشآت العامة 90 % بحسب الأمم المتحدة.

وقال أحمد العثمان أحد سكان الحولة: «اختلف الواقع العمراني في ريف حمص الشمالي بشكل كبير، حيث كانت نسبة البناء نادرة قبل اتفاقية خفض التصعيد خوفاً من تجدد القصف عليها، حتى عندما كان يتم تفعيل مؤسسة ما، يتم منحها بناءً قديماً لتعرض المنشآت الحيوية بشكل دائم للقصف».

أسعار باهظة لمواد البناء

وأضاف العثمان «قبيل الهدنة لم يكن هناك أية عمليات دخول لمواد البناء بسبب توقف النشاط العمراني، ومع بدء الهدنة وتنفيذ اتفاقية المعابر، بدأت شاحنات مواد البناء بالدخول من مناطق النظام إلى المناطق المحاصرة، وبأسعار باهظة تقارب 6 أضعاف ثمنها قبل اندلاع الثورة».

وقال طارق العزو متعهد إنشاء في مدينة الرستن: «إن سعر الطن الواحد من الحديد ارتفع من 500 دولار أمريكي إلى 900 دولار أمريكي خلال فترة الحصار، كما وصل سعر طن الإسمنت لأول مرة إلى 5000 ليرة سورية، وتراوحت أسعار البلوك، بين 200 إلى 400 ليرة سورية من النوع الجيد، ووصل سعر المتر الواحد من الرمل أو الحصى إلى 40 ألف ليرة سورية».

ورافق ارتفاع أسعار مواد البناء، ارتفاعاً في أسعار مواد الإكساء مثل السيراميك والرخام، لتبلغ تكلفة بناء غرفة واحدة قرابة 1000دولار أمريكي.

مشاريع المنظمات تقتصر على المنشآت العامة

وفي المقابل ورغم معاناة السكان من تأمين مواد البناء الغالية الثمن لترميم منازلهم، فإن المنظمات الإنسانية اقتصرت في مشاريعها نحو الخدمات العامة في ظل عدم قدرتها على تغطية نفقات ترميم بيوت السكان المدمرة التي بلغت نسبتها 60 %، ليقتصر عملها على صيانة المرافق العامة والمنشآت الحيوية لتحفيف العبء المالي على المجالس المحلية.

وأكد رئيس المجلس المحلي في الرستن يوسف درويش أن «المجلس يهتم بتوجيه المشاريع نحو المرافق العامة والتي كان آخرها مشروع جمعية البنيان المرصوص لترميم الطرقات بالتعاون مع المجلس المحلي بغية تحسين المظهر الجمالي للمدينة».

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف