جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

واحدة قتلت وسبعة جرحوا وعاد خمسة إلى الحرب

توقفت رئتاه عن استيعاب ما يحتاج من هواء، شعرَ أنَّ كلَّ خلية من جسده كانت تخزن الهواء لثوانٍ قبل أن تطرحه من جديد بعد أن أحرقته، وجهُ المهرِّب لا يزال يطالبه بالمزيد من المالِ لعبور الحدود، وهو ما يزال يرى وجه المجند التركي الذي ضربه بشيء يشبه “الكرباج”، ثم أعاده إلى سوريا. يزَن لم يعد قادراً الآن لا على العودة إلى سوريا ولا على التقدُّمِ نحوَ تركيا.

0

 


عمار محمد 

 توقفت رئتاه عن استيعاب ما يحتاج من هواء، شعرَ أنَّ كلَّ خلية من جسده كانت تخزن الهواء لثوانٍ قبل أن تطرحه من جديد بعد أن أحرقته، وجهُ المهرِّب لا يزال يطالبه بالمزيد من المالِ لعبور الحدود، وهو ما يزال يرى وجه المجند التركي الذي ضربه بشيء يشبه “الكرباج”، ثم أعاده إلى سوريا. يزَن لم يعد قادراً الآن لا على العودة إلى سوريا ولا على التقدُّمِ نحوَ تركيا.

حين غادر يزن دمشق، كان يعلم أنه معرض للاعتقال في أي لحظة، فجيش النظام يريد رأسه للتجنيد الإجباري، كما أرعبته القصص المروية عن فصائل المعارضة، تخلص من كل شيءٍ على هاتفه النقال ولم يعتنِ بشعره كما يفعل شابٌّ في أوَّل العشرين عادة في العاصمة السورية، لكنه لم يكن يعرف أن أكبر مشاكله والتي لا يستطيع تجنبها هي الجيش التركي على الحدود.

في إحدى القرى الحدودية بريف إدلب، كان الوقت بعد منتصف الليل، مع العشرات ممن يرغبون بالوصول إلى الأراضي التركية، وصل يزن تلك الليلة، فيما كانت كثيرون ينتظرون منذ أيام إلى تلك النقطة الحدودية، شعر بأن الخوف والحذر يسيطران على الجميع هنا، لكنه استجمع شجاعة واندفاعَ شابٍ عشرينيٍّ، وكلُّ ما يريده أن يصل إلى ألمانيا، وأكد للمهرِّب أنه مستعدٌّ لتجاوز الحدود كأوَّل شخص من الموجودين عله يفتح لهم الطريق، وليكن التجرِبة، فرِح المهرب الذي كان قد قبض منه حتى تلك اللحظة أكثر من ضعف المبلغ المتفق عليه.

الطريق جبلي، نهبط، ثم تستقيم، ثم تصعد التلة حيث الأمان، عشرات الأمتار من الركض في الأرض الزراعية التي تكشفها الإضاءة على أعمدة عالية، وتحرسها سيارات الجيش التركي، ويسكنها الظلام، تدفقت تلك الحماسة في عروق يزن وقرر الانطلاق من تهليلات ودعاء الحاضرين.

ركض، ثم ركض، اقتادته قدماه نحو ما لا يعلم وكان يسابق الأرض، تهزمه خطوة، ويهزم هو أخرى، كان سريعاً بما يليق بعمره حتى جاء منتصراً لا يعرف الهزيمة إلا نادراً، انهال الرصاص وصعب عليه تحديد الجهة، الطين في الأرض جعله يشعر بأنه أثقلُ مما كان قبل لحظات، رئتاه تقتربان من الانفجار، وقلبه ما عاد له أي ضابط، ضربات تتسابق وتحبطه بدل أن تحفزه، إلى أنْ أمسكه جنديٌّ تركيٌّ ظهر من الفراغ، وأوقعه أرضاً.

تلقى يزن عشرات الضربات واللكمات، ازرقَّ بعضٌ من جسده واحمرَّ آخرُ، ونزفَ ثالثٌ، عاد حيث التجمعُ الكبير، وحيث المهرِّب لا يزال يطلب المال لإيجاد طريقٍ جديد للجميع، نساءً وأطفالاً ورجالاً، فقراء وأغنياء، مدللين وهاربين ولصوصاً، وعسكراً ملوا الحرب، وصغاراً لم يعرفوا إلا الحرْبَ كحياة.

المهرِّب قصيرٌ جدّاً، وماهرٌ جداً، وليس محطَّ أيةَ ثقة، لكن عليك هناك في “التيل” وعند الحدود أن تثقَ به، وستفعل. هكذا فعل الجميع فدفعوا حتى القرش الأخير مما كانوا يحملون، فيما المهرِّب يصولُ ويجول، ويتحدَّث عبر هاتفه النقال كلَّ بضعةِ دقائقَ، ثم يعود لينقل خبراً عن الطريق للمنتظرين، بعدَ ساعاتٍ قال المهرِّب بثقةٍ: “لقد تمَّ الاتفاق، الجنديُّ التركيُّ يريد مبلغاً من المال وبعض الماء الباردِ، وسيعبر الجميع”. هاج الحاضرون وفق ما يسمح به الزمان والمكان، ثم وافقوا على دفع المزيد.

عند الفجر، دخلَ الجميع إلى تركيا، منهم من بقي فيها، ومنهم من رحل عنها في رحلة تهريب أخرى نحو أوروبا، واحدةٌ فقط قتلت برصاصِ حرس الحدود التركي، وسبعة جرحوا، وعاد خمسة إلى الحرب بعد اشتياق.

تعليقات
Loading...