جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

وصايا قاتلة عبر الحدود

0

ياسين أبو فاضل

تخرجه دق ناقوس الخطر في العائلة، بعد يوم من الحفل البهيج، الذي أقيم احتفاء وتكريماً لتفوقه في الجامعة، وتميزه كصاحب أحسن مشروع حصل على جائزة الباسل، سمع أمه وأباه، في مساء ذلك اليوم يتهامسان بشجن عن مصيره.

تنهد طويلاً وزفر، الحياة عصيبة وليست عادلة، عليه التعود على ذلك، يعلم جيداً كم يتألمان، هو من شاهد احتراق قلبيهما على فراق أخويه إسماعيل ومحمد الأكبر منه سناً، الحبل جرار، سيلحق بهما، لا خيار آخر أمامه، قريباً ينتهي تأجيل الخدمة العسكرية، ويتوجب عليه الالتحاق بالجيش.

عقد العزم متجهاً في البداية إلى حماة، مكث لدى زميله بضعة أيام، قبل أن ينجح بعبور حواجز النظام، نحو مناطق المعارضة، 300 ألف ليرة كانت كافية لإقناع أحد عناصر الدفاع المدني لنقله نحو مدينة إدلب، أقام لدى أحد أقربائه ليلة، ثم قصد بلدة دركوش، لاختيار مهرب قنوع يتماشى مع الخمسمئة دولار المتبقية لديه، والتي من المفترض أن تكون كافية لتوصله إلى إسطنبول حيث إخوته.

أذِن غروب الشمس بانطلاق موكب عابري الحدود، مشى أحمد، حكيم الطاقة الكهربائية، خلف شاب لا يتجاوز 18 عاماً يسمى بالكشاف، مضت الساعة الأولى والثانية والثالثة، طال الطريق صعوداً ونزولاً، لم يعتد المشي لفترات طويلة كهذه.

اقتربت المجموعة من الشريط الحدودي” التيل”، بعد ست ساعات من المشي الشبه متواصل، أطفأ الجميع هواتفهم المحمولة تحسباً، بدت أضواء القرية التركية ساطعة قريبة، في أقل من دقيقة وبدون عناء، نجح الكشاف بقص الشريط المعدني الحدودي، اختبأ الجميع خلف كتل صخرية متفرقة، إلى أن عبرت أولى الدوريات المكان، مع إشارة الكشاف، ركض الجميع خلفه بين الشجر، دون وعي أو إدراك، ظلام الليل والعجلة قادا الكشاف للسقوط في إحدى الحفر العميقة، تفادى أحمد الحفرة، ليسقط من يركض خلفه بها قبل أن يتمكن من تحذيره.

شلت الصدمة عقله عن التفكير، لم يعد بينه وبين البيوت التركية سوى مئات الأمتار، فكر للحظات بمتابعة طريقه، أيتركهم ويمضي في سبيله، أم يختار وصية والده بأن يكون رجلاً يفعل الصواب أينما حل، حسم أمره، عاد إلى ما عرف عنه من رشد، ربطت كلمات أبيه على قلبه، وقف وسط طريق الدوريات، أنار مصباح جواله، جاذباً نحوه على الفور عدد من سيارات الجندرما التركية، انحاز هو عن الطريق بضعة أمتار باقتراب تلك السيارات، تخطتهم أولى الدوريات الواصلة بنحو 50 متراً، قبل أن ينزل أحد رجال الدرك ويطلق الرصاص باتجاه من تبقى من المجموعة.

تبارت أصوات الرصاص المدوية، مع صدى همسات أمه الدافئة الخاشعة يوم احتضنته مودعة (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)، عبرته تلك الرصاصات كومضات ضوئية، أصيب من كان خلفه بالرأس فسقط ميتاً على الفور، أما هو فثبت في مكانه، لم يهرب، صرخ طالباً العون بالإنكليزية، كانت كل حركة بيديه ترسم أمامه صورة من الماضي، تذكر طفولته، أصدقاءه، إخوته، وصورة والديه الصغيرة التي حملها في محفظته.

طرحته أرضاً ثلاث رصاصات وضعت حداً مؤقتاً لتك الذكريات، أصابت الأولى كتفه، واثنتين استقرتا في ساقه اليسرى، تمالك نفسه إلى أن حضرت سيارة الإسعاف بعد دقائق، أبلغ المسعفين بمكان من سقطوا، ليفقد الوعي بعدها، ويجد نفسه بعد يومين من الغياب في إحدى مشافي عينتاب التركية، مكث شهرين يتلقى العلاج، ومن ثم أعيد إلى باب الهوى، عازماً عبور تلك الحدود مجدداً، مطارداً ذكرياته وأخلاقه ووصايا والده.

تعليقات
Loading...