يوم زار مراد علمدار الجيش العربي السوري

الثقوب السوداء في كل مكان، الحجارة، الخبز، المدى والوجوه، كل شيء هنا له من الثقوب والسواد نصيب، الحرّ لا يحتمل، البدلة العسكرية وحدها قادرة على تحويل جسد أشرس المقاتلين إلى سطح مشقق ينزّ منه العرق والألم، ومع الحر، تتحول قطعة القماش الخاكي تلك إلى “برداغة”، أو ما يعرف بورق الزجاج، المستخدم في حفِّ الأسطح الخشبية، أو أثناء الطلاء.

0


ياسين أبو فاضل

الثقوب السوداء في كل مكان، الحجارة، الخبز، المدى والوجوه، كل شيء هنا له من الثقوب والسواد نصيب، الحرّ لا يحتمل، البدلة العسكرية بمفردها قادرة على تحويل جسد أشرس المقاتلين إلى سطح مشقق ينزّ منه العرق والألم، ومع الحر، تتحول قطعة القماش الخاكي تلك إلى “برداغة”، أو ما يعرف بورق الزجاج، المستخدم في حفِّ الأسطح الخشبية، أو أثناء الطلاء.

نسيت البسطار الأسود! لا أدري من أطلق على الجيش السوري “جيش أبو شحاطة”، العميد لم يسمح لنا يوماً أن نرتدي الشحاطة، وعقوبة ارتدائها كما كان يقول “عشرين دق عشرين زج”.

كم تمنيت الاستحمام أيام الخدمة، آه على الصراع الطويل مع الرائحة النتنة، كم خجلت من نظرات الفتيات لي، وكم فرَّ الناس من حولي في وسائط النقل العامة.

لو أستطيع الغوص في دماغ أحد كبار الضباط، لربما أفهم ما يقتضي أن يكون العسكري السوري، قذراً محروق الوجه نتن الرائحة، ليستطيع الدفاع عن البلد.

صحيح؛ لِـمَ لمْ يدربونا على القتال بالسيف والرمح والقوس والنشاب؟!

في ذلك اليوم، كانت الساعة تجاوزت الثالثة والنصف ظهراً، الشمس تكوي، والعميد لم يغادر إلى الآن، تأخر اليوم على غير عادته، الجميع هنا ينتظر الساعة الرابعة، موعد عرض الحلقة، لكن سيارة العميد مازالت في مكانها، تأكدت حينها أن الحلقة ستفوتني.

أسندت ظهري إلى سارية العلم، ورفعت رأسي أراقب بقايا العلم، مضى زمن طويل على آخر زيارة تفتيشية، منذ ذلك الوقت لم يبدّل العلم، وبفعل العوامل الجوية تحول إلى ثلاثة أشلاء تطير متنافرة، وسط تجمع عشوائي لمباني عسكرية أشيدت على تل يشرف على إحدى قرى ريف درعا، ضمن قطعة عسكرية تقع في منطقة تعرف باسم “نطاق الحيطة”، لكنها تبعد عن الحدود مع إسرائيل أكثر من 10كم.

فجأة بدا جسم دائري كبير يطير على بعد عدة أمتار من سطح مبنى المستودع على طرف التل، لم أصدق عيني، هل هذه قنبلة أم طائرة تجسس، دققت جيداً وإذ هو بالون وردي اللون مزوّد بكاميرات مراقبة.

كارثة إن وصل إلى الطرف الآخر، فقطعتنا ليست أكثر من واجهة لأحد مقرات الخبراء الإيرانيين في الجيش السوري، اندفعت باحثاً عن أحد الحرس، عثرت على أحدهم، وأشرت إلى البالون لكنه بادرني بالقول “ما دخلنا، اعمل حالك ما شفت شي”، قال أننا سنعاقب أو نحال إلى سجن تدمر، كما حدث لأحد العساكر سابقاً،  اتهم حينها بالعمالة لإسرائيل لأنه أطلق النار ودمَّر البالون الذي يمثل كنز معلومات تكنولوجية عن العدو، ويجب الحصول عليه دون تدميره.

ركضت إلى مبنى العميد، اندفعت غير عابئاً بهندامي داخل مكتبه وأخبرت لاهثاً بما رأيت، اكفهرت سحنته وبدا قلقه، سألته إن كان يريد أن أطلق النار عليه وأسقطه، لكنه صرخ في وجهي شاتماً “يا جحش.. نحنا ما دخلنا، لا تورطنا بشغلات ما إلنا فيها، انقلع خبِّر سرية الدفاع الجوي، وأنا بحذر الخبراء الإيرانيين”.

لم يخفِ ملازم الدفاع الجوي، بعد انتهاء اتصاله مع القيادة، امتعاضه عندما علم أني توجهت إلى العميد قبله، وحدهم الأمن العسكري والمخابرات الجوية من لديهم صلاحية التعامل مع هكذا أهداف.

مع حلول مغرب ذلك اليوم، تم استدعائي إلى بوابة التل عدة مرات، في المرة الأخيرة أخبرني الضابط المناوب أن دورية الأمن العسكري تريدني، أديت لهم التحية العسكرية، حتى لو كانوا أقل مني رتبة، هذا لا يهم، أخبرتهم أن البالون اتجه نحو ازرع، فرَبَتَ أحدهم على كتفي وأخبرني أنهم قد يستدعونني إلى الفرع إن لزم الأمر، ثم صافحني بحرارة وانطلق.

في اليوم التالي أثناء الاجتماع الصباحي، وجه العميد شكره لي، لأني حريص على سلامة الوطن، وأنا كما وصفني “العين الساهرة على أمن المواطن”، لم أتمالك شعوري بالفخر أمام زملائي، لكن صباح اليوم التالي بدأ بأمر العقوبة “20 دق 20 زج” بالسجن، لمخالفتي قواعد اللباس العسكري.

«الانضباط أولاً وقبل كل شيء» طأطأت رأسي واتجهت طوعاً تجاه السجن بعد أن نزعت الرتب، يومها تذكرت نصيحة والدي يوم سوقي للخدمة «كلمة ما بعرف بتفك مشنوق».

يومها تعلمت أن أكون كالسواد الأعظم، كزملائي المجندين، المتطوعين، الضباط، كباقي الناس، سأكون دائماً “لا أعرف”، سأكتفي بمشاهدة وادي الذئاب ومراد علمدار.

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...