جريدة سوريتنا
مؤسسة إعلامية مستقلة تأسست في 2011، تنتج المحتوى الصحفي وتطوره وتنشره وفق المعايير المهنية بوسائط ومنتجات متعددة، لخدمة الجمهور المهتم بالشأن السوري.

15 % من آثار إدلب مدمرة ومبادرات حثيثة لحفظ الإرث التاريخي والثقافي

دمار وسرقة وتهريب للآثار والأوابد سكن للنازحين

0

سوريتنا برس

“إدلب عائمة على بحر من الآثار، لا يمكن أن تقلب حجراً إلا ويظهر لك قصة حضارة”، هكذا يصف المؤرخون محافظة إدلب، التي تحتوي على ثلث الآثار السورية، وتُعتبر بوابة “سوريا الكبرى” إلى أوروبا، إلا أن تاريخ هذه المحافظة المنسية لم يشفع لها، فتعرضت المواقع الأثرية فيها خلال سنوات الحرب للدمار والنهب.

في محافظة إدلب 760 موقعاً أثرياً تعود لحقب زمنية مختلفة، إضافة للمدن المنسيّة التي يبلغ عددها 40 قرية، كما تضم المحافظة 50 % من التلال الأثرية في سوريا، أهمها تلال إيبلا ودينيت وآفس.

يبلغ عدد المواقع الأثرية في محافظة إدلب 760 موقعاً أثرياً وفق إحصائيات “مركز آثار إدلب”، تعود لحقب زمنية مختلفة مسجلة في قانون التراث العالمي، إضافة للمدن المنسيّة والمعروفة باسم (المدن الميتة)، والتي يبلغ عددها 40 قرية أثرية، فضلاً عن العديد من المواقع ذات الأهمية التراثية الكبيرة والتي تعود للفترة الإسلامية بكافة عهودها، ومن أشهرها موقع تل مرديخ (إيبلا)، كما تضم محافظة إدلب 50 % من التلال الأثرية السورية، أهمها تلال إيبلا ودينيت وآفس.

ولم تسلم المواقع الأثرية والمتاحف في المحافظة من العمليات العسكرية، حيث طال القصف والتدمير متاحف عدة، كمتحف معرة النعمان، ومتحف شنشراح (خربة حاس)، ومتحف مدينة إدلب، وآثار خربة الخطيب، إضافة للانتهاكات البشرية المتعددة، نتيجة قلة الوعي لدى السكان بقيمة الآثار، وقيامهم بتكسير وتخريب هذه المواقع واستخدامها في أعمال البناء، فضلاً عن تحول مراكز أثرية إلى أماكن يقيم فيها النازحون.

كما شهدت معظم المواقع الأثرية حركة متزايدة من عمليات التنقيب العشوائي والسرقة، نظراً لغياب الرقابة والقوانين الرادعة، التي تجرّم المنقبين وتكبح أعمالهم.

مبادرات أهلية ومدنية لحماية الآثار

الفراغ الذي أحدثه انحسار سلطة النظام عن المواقع الأثرية في المناطق المحررة دفع إلى إطلاق مبادرات مدنية وأهلية تُعنى بحماية الأثار، تقدم ما بوسعها لتلقي الضوء على حماية الآثار بعد أن أصبحت عرضةً للسرقة والتخريب، في ظل الوضع العسكري والأمني المتردي الذي تعيشه المناطق المحررة.

ومن تلك المبادرات، تأسيس “مركز آثار إدلب” منتصف عام 2012، بجهود عدد من الأكاديميين والمحامين والمختصين بعلم الآثار داخل سوريا وخارجها، ويهدف المركز، الذي يتخذ من مدينة كفرنبل مقراً له، إلى صون الآثار من خلال توثيق الدمار والانتهاكات.

يقول مدير المركز أيمن النابو لـــ سوريتنا إن “تبعات الحرب بدت واضحة على المعالم الأثرية بعد ظهور عدة أسواق سوداء لتجارة وتسويق القطع الأثرية، يتواجد فيها الكثير من التجار والسماسرة لبيع وتهريب القطع الأثرية لخارج البلاد”.

كما قام مجموعة من أهالي قرية فركيا في جبل الزاوية، من مهندسين ومحامين ومدرسين وطلاب جامعات وحراس، على تشكيل لجنة أهلية بهدف حماية آثار القرية من التخريب والنهب، بعد حصول عدّة محاولات لسرقتها، ولاسيما أن القرية تحتوي على المئات من المواقع الأثرية، من قصور ومدافن ومقابر ولوحات وتماثيل منحوتة على الجدران، ويعود تاريخ معظمها إلى عام القرن الخامس الميلادي.

حماية 1700 قطعة أثرية وتحضير لترميم 30 موقعاً أثرياً

بدأ “مركز آثار إدلب” بتوثيق المواقع الأثرية من خلال إنشاء قاعدة بيانات شاملة لتلك المواقع، يتم تحديثها بشكل دوري وشهري، مع ملاحظة تضرر تلك المناطق جراء العمليات العسكرية أو عمليات التنقيب العشوائي والسرقة، وأوضح مسؤول قسم التوثيق والتنقيب في مركز آثار إدلب منير قسقاس أن “التوثيق شمل كافة المواقع الأثرية في محافظة إدلب، مع تحديد نسبة الدمار في تلك المناطق، وحفظ ما تبقى من الآثار”.

وأوضح قسقاس أن هذه التوثيقات ترسل بشكل دوري إلى منظمة اليونيسكو، بعد إعدادها، بالتعاون مع الفنانين الأثريين، ومنظمة “محامون لأجل العدالة” بعد توقيع مذكرة تفاهم معها، لتولي الشؤون القانونية للآثار في فرنسا وألمانيا.

كما قدم المركز الحماية لأكثر من 1700 قطعة أثرية، عن طريق تغليفها ووضعها في صناديق خاصة وفق الطرق العلمية المتبعة، من خلال طاقم فني حصل على دورات علمية متخصصة بالترميم وطرق التوثيق الحديثة، مع إعداد بطاقات وهويات واستمارة خاصة لكل قطعة أثرية، وفق ما ذكر قسقاس.

وأضاف “قمنا بترميم متحف معرة النعمان في المرحلة الأولى، وحماية اللوحات الفسيفسائية فيه وتغليفها وتحصينها بأكياس الرمل، وأعطت هذه العملية نتائج إيجابية بعد تعرض المتحف لبرميلين متفجرين، حيث لم تتعرض اللوحات لأي ضرر، كما تدخل المركز إسعافياً في موقع إيبلا الطيني، والذي يعود للألف الثالث قبل الميلاد، حيث قمنا بتدعيم أساسات معبد عشتار، والدرج المؤدي إلى القصرجية”.

وأكد قسقاس أنه “من المقرر حسب خطة المركز لعام 2018، وضع 30 موقعاً أثرياً ضمن برنامج إعادة التأهيل والترميم”.

جهود حثيثة لمديرية الآثار والمتاحف في إدلب

وفي مبادرة أخرى، جرى في آب الماضي تأسيس “المديرية العامة للآثار والمتاحف” في مدينة إدلب، والتي جاءت نتيجة لتضافر جهود خبراء وأكاديميين وعاملين سابقين في متحف إدلب ومديرية الآثار والمتاحف التابعة للنظام النظام، لتكون مسؤولة عن المناطق الأثرية في محافظة إدلب، ومن أولى مهام المديرية بحسب مديرها الدكتور في علم الآثار أنس زيدان “حفظ الإرث التاريخي والثقافي في إدلب كونه جزء لا يتجزأ من الإرث العالمي”.

15 % من أثار محافظة إدلب تعرضت للدمار

وتقوم المديرية بجمع الوثائق من دائرة آثار إدلب سابقاً ونقلها إلى متحف المدينة، الذي يعتبر المقر الحالي للمديرية، الذي تعمل فيه على تقييد الوثائق وأرشفتها ضمن التسلسل الزمني وحسب الأهمية.

يقول الدكتور زيدان “قمنا بطرح مشاريع عمل من أجل حماية المتحف في إدلب، ووجهنا نداء استغاثة للمؤسسات والمنظمات وخاصة اليونيسكو، من أجل تقديم دعم لحماية الإرث التاريخي والثقافي في محافظة ادلب، وخاصة متحف ادلب”، مضيفاً أن “نسبة الأثار التي تعرضت للدمار في محافظة ادلب نتيجة القصف والمعارك والظروف الأمنية حوالي 15 %”.

النظام سرق آثار إدلب ويرعى تهريبها

مع بداية سيطرة المعارضة على مدينة إدلب في آذار من العام 2015، قام العاملون في متحف إدلب الوطني على إغلاق أجنحة المتحف، وجمع القطع الأثرية مع الوثائق الخاصة بها إلى مستودعات مغلقة تحت الأرض، إلا أن برميلاً متفجراً ألقته إحدى طائرات النظام، أحدث فتحة في سقف أحد المستودعات وكشف محتوياته، كما تعرض المتحف لعدة غارات نهاية العام 2015، ما أدى لتهشيم العديد من القطع الأثرية في حديقة المبنى، وتضرر أجزائه الشرقية، وفق ما ذكر زيدان.

وترددت شائعات تفيد بأن القطع الأثرية سرقت ونهبت قبل وضعها في المستودعات المغلقة، واتهم الدكتور أنس زيدان النظام بسرقة قسم كبير من القطع الأثرية من المستودعات التي بقيت دون حراسة أو مراقبة، وأشار إلى مهاجمة المستودع من قبل “ضعفاء النفوس في المجتمع المحلي”، على حد تعبيره دون أن يحدد صفة هؤلاء الأشخاص بشكل واضح.

وأكد الدكتور زيدان أن “المديرية العامة للآثار والمتاحف التابعة للنظام، كانت تتعمد عدم توثيق القطع الأثرية قبل العام 2011، بهدف تقاضي منح مالية ضخمة من الأمم المتحدة، كان أبرزها “المشروع الإيطالي”، الذي تلقت حكومة النظام بموجبه 50 مليون دولار في العام 2009، لتوثيق القطع الأثرية وتسجيلها”.

ووثّق مركز آثار إدلب أكثر من 3400 قطعة أثرية تم تهريبها إلى خارج البلاد

وأوضح الدكتور زيدان أن مديريات المتاحف التابعة للنظام تتعمد أيضاً عدم حفظ السجلات وأرشفتها، كيلا تصل أرقام القطع الأثرية للهيئات الدولية والإنتربول لمتابعتها حين تهريبها خارج البلاد، وأضاف “تعرضت متاحف عدة للسرقة بشكل كامل كمتحف الرقة ومتحف تدمر، وبعض المتاحف سرقت بشكل جزئي، ويستغل بعض المسؤولين سمة الإرهاب للتغطية على اختفاء القطع الأثرية، والتي ظهر جزء منها في لبنان وتركيا وألمانيا وفرنسا”.

ووثّق مركز آثار إدلب أكثر من 3400 قطعة أثرية تم تهريبها إلى خارج البلاد، في ظاهرة وصفها مدير المركز منير قسقاس بأنها “الأخطر في طمس التاريخ والحضارة السورية”.

التنقيب العشوائي مهنة دارجة

رغم أن التنقيب العشوائي عن الآثار مهنة قديمة، وبني علم الآثار على مكتشفات كان يقوم بها لصوص الآثار والمقابر، إلا أنه في سوريا ونتيجة للفوضى الأمنية وغياب الجهات الرقابية، انتشرت خلال السنوات السابقة عمليات التنقيب العشوائي في مختلف المناطق، وغالباً ما يرتبط المنقبون عن الآثار بشبكة من التجار والسماسرة لبيع القطع الأثرية التي يعثرون عليها خارج البلاد، وفق ما ذكر محمد أحد المنقبين عن الآثار من بلدة قميناس بريف إدلب.

وأضاف محمد، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، “تمتلئ بلدة قميناس بالآثار، وأذكر عندما كنت صغيراً عثور مجموعة من المنقبين في منطقة تلة قيمناس الشهيرة على تماثيل ذهبية مختلفة، نُقلت بالمروحيات، ومنذ ذلك الوقت أصبح التنقيب عن الآثار مهنة كثير من سكان المنطقة، فلا يكاد يخلو منزل من جهاز كشف الآثار”.

ويعتمد المنقبون على استخدام جهاز كشف الآثار الذي يُعلق على الكتف، ويصدر أصواتاً حين يقترب من مكان يحتوي على أي قطع أثرية بعمق متر واحد.

ولكل موقع أثري مخطط مساحي ومحمي بثلاث مناطق حماية، “المنطقة الحمراء” هي منطقة المنتصف وهي المنطقة الأثرية، “المنطقة الخضراء” هي منطقة الحماية الأولى، وتبلغ مساحتها 50 متراً حول الموقع الأثري، و”المنطقة الزرقاء” التي تتجاوز 150 متراً حول الموقع الأثري.

وبغية الحد من عميات التنقيب العشوائي، قال مدير مركز آثار إدلب أيمن النابو إن “المخططات مساحية سيتم إعدادها بالتعاون مع مجلس محافظة إدلب، والمحاكم الشرعية، بهدف تعميمها على مراكز الشرطة الحرة، لتكون بمثابة قاعدة بيانات للعمل في حال تقديم شكوى عن عملية تنقيب يتم من خلالها تحديد لون المنطقة المستهدفة، إن كانت تستدعي التدخل الأمني أم لا”.

وأوضح رئيس فرع الإعلام في شرطة إدلب الحرة، النقيب عبد الرحمن البيوش أن الشرطة تسيّر دوريات على مدار الساعة في المناطق الأثرية، خاصة في الجبل الوسطاني، وآثار باريشا، وخربة حاس، بالإضافة للعديد من المواقع الأثرية الهامة، مع استعدادها لتلقي كافة البلاغات الخاصة بعمليات التنقيب أو التخريب”.

المعالم الأثرية بيوت للنازحين

يقيم أبو محمد مع عائلته في غرفة حجرية داخل أحد المواقع الأثرية في منطقة باريشا، بعد أن يأس من تأمين منزل لإيواء عائلته بعد نزوحهم من ريف حلب الجنوبي، وصعوبة السكن في خيمة نظراً لاقتراب فصل الشتاء.

15 % من آثار إدلب مدمرة ومبادرات حثيثة لحفظ الإرث التاريخي والثقافي
نازحون في آثار سرجيلا | سوريتنا

تبدو الغرفة بأحجارها الكبيرة، ومدخلها الموحش ملاذاً آمناً لعائلة أبو محمد، بعد أن قام بترميم أرضها وسد الفجوات في جدرانها، وصنع سقفاً لها من بعض الصفائح الحديدية، إضافة لإزالة بعض الأحجار التي تعيق حركته، يقول “لم نجد مكاناً ننزح إليه، لم يكن أمامنا سوى هذا المكان للسكن، والخيم تعني شتاءً مريراً لسنا قادرين على احتمال قسوته”.

في هذا السياق، أكد حسان إسماعيل، مسؤول الحفظ والأرشفة في مركز آثار إدلب أن “استخدام النازحين للمناطق الأثرية كمكان للنزوح يعتبر أحد أكثر الانتهاكات التي نوثقها خلال تجوالنا في المناطق الأثرية، وأكثر ما يقلقنا تكسير الأحجار الكبيرة لاستخدامها في البناء من جديد”.

وأضاف إسماعيل “نقوم بزيارات دورية في مناطق بابسقا وباريشا وسرجيلا، التي أصبحت ملاذاً للنازحين، ونقوم بنشر التوعية حول ضرورة الحفاظ على المناطق الأثرية، وفي حال وجود جدار مُنشأ حديثاً نقوم بإزالته”.

كما تحولت معظم المواقع الأثرية في مناطق البارة وسرجيلا وشنشراح وسمعان بريف إدلب، إلى بيوت للنازحين، ففي موقع شنشراح قامت بعض الأسر بتقطيع القصور إلى أكثر من غرفة وبناء جدران إسمنتية، بما يتناسب مع عدد أفراد كلّ أسرة، وفتح أبواب ونوافذ بها، ما أدى إلى تغيير شبه كامل في ملامح هذه الأوابد وطمس معالمها الأثرية.

تعليقات
Loading...